اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: يقول بنجاسة المني وبه قال أبو حنيفة ومالك وهو رواية عن أحمد واستدلوا على ذلك بحديث عائشة لما سئلت عن المني يصيب الثوب فقالت:
_________________
(١) صحيح: أخرجه أبو داود (٦٣)، والنسائي (١/ ٤٦)، والترمذي (٦٧) وهو صحيح كما في صحيح الجامع [٧٥٨].
(٢) صحيح: أخرجه أحمد (٥/ ٣٠٣)، وأصحاب السنن وانظر الإرواء (١٧٣).
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (١٩٤٠)، وأحمد (٣/ ١٢١) وهو في البخاري بدون لفظ «فإنه رجس».
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (١٨٠٢).
[ ١ / ٧٤ ]
كنت أغسله من ثوب رسول الله ﷺ فيخرج إلى الصلاة وأثر الغسل في ثوبه بقع الماء» (١). والغسل لا يكون إلا لشيء نجس.
القول الثاني: قال أصحابه بطهارة المني وممن قال بذلك الشافعي وداود وهو أصح الروايتين عن أحمد واستدلوا على ذلك بحديث عائشة في المني قال: «كنت أفركه من ثوب رسول الله ﷺ» (٢).
وبحديثها أيضًا أن ضيفًا نزل بعائشة فأصبح يغسل ثوبه فقالت عائشة: إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم تر نضحت حوله، ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركًا فيصلى فيه» (٣). والاكتفاء بالفرك يدل على طهارته.
وقد أجاب القائلون بالنجاسة بأن الفرك لا يدل على الطهارة وإنما يدل على كيفية التطهير كما أن تطهير النعل يكون بمسحها في التراب.
ويجاب عن هذا (٤) بأن فرك عائشة للمني تارة وغسله تارة أخرى لا يقتضي تنجيسه، فإن الثوب يغسل من المخاط والبصاق والوسخ، وهكذا قال غير واحد من الصحابة: كسعد بن أبي وقاص، وابن عباس وغيرهما: «إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، أمطه عنك ولو بإذخرة».
فظهر بهذا أن فعل عائشة ﵂، إنما هو من باب اختيار النظافة (٥).
ويتأيد الحكم بطهارة المني أن الصحابة كانوا يحتلمون على عهد النبي ﷺ، وأن المني يصيب بدن أحدهم وثيابه، وهذا مما تعم به البلوى، فلو كان نجسًا لوجب على النبي ﷺ أمرهم بإزالته كما أمرهم بالاستنجاء ، ولم ينقل أحد هذا، فعلم يقينًا أن إزالته لم تكن واجبة، والله أعلم (٦).