حملة صليبية جديدة
(ولا يزالون يقاتلوكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا)
سورة البقرة آية (٢١٧)
كان الجندي الإيطالي يرتدي لباس الحرب قادمًا لاستعمار بلاد الإسلام وهو ينشد بأعلى صوته:
(يا أماه
أتمي صلاتك ولا تبكي
بل اضحكي وتأملي ألا تعلمين أن إيطاليا تدعوني
وأنا ذاهب إلى طرابلس
فرحًا مسرورًا
لأبذل دمي في سبيل سحق الأمة الملعونة (*)
ولأحارب الديانة الإسلامية
سأقاتل بكل قوتي لمحو القرآن ) (١٥٨) .
(والمتتبع لتاريخ العلاقات ما بين الغرب وشعوب الإسلام يلاحظ حقدًا مريرًا يملئ صدر الغرب حتى درجة الجنون يصاحب هذا الحقد خوف رهيب من الإسلام
_________________
(١) " قادة الغرب يقولون " نقلًا عن القومية والغزو الفكري " ص (٢٠٨) وهذه الأنشودة المشهورة تسمى " أغنية الفاشيست " كانت جيوش الطليان الجرارة تترنم بها وهي تسير مدججة بالسلاح في طرقات طرابلس وبرقة بصوت واحد (انظر: الاتجاهات الوطنية ٢ / ١٥٧) .
[ ٩٣ ]
إلى أبعد نقطة في النفسية الأوربية.
هذا الحقد وذلك الخوف لا شأن لنا بهما إذا كانا مجرد إحساس نفسي شخصي أما إذا كانا من أهم العوامل التي تبلور مواقف الحضارة الغربية من الشعوب الإسلامية سياسيًا واقتصاديًا وحتى هذه الساعة فإن موقفنا يتغير بشكل حاسم.
سوف تشهد لنا أقوال قادتهم أن للغرب والحضارة الغربية بكل فروعها القومية وألوانها السياسية موقفًا تجاه الإسلام لا يتغير إنها تحاول تدمير الإسلام وإنهاء وجود شعوبه دون رحمة.
(*) بل هي - ولله الحمد - أمة مرحومة كما قال نبيها نبي الرحمة: " أمتي أمة مرحومة " الحديث في الصحيحة رقم (٩٥٩) .
حاولوا تدمير الإسلام في الحروب الصليبية (١٥٩) ففشلت جيوشهم التي هاجمت بلاد الإسلام بالملايين فعادوا يخططون من جديد لينهضوا.. ثم ليعودوا إليهم بجيوش جديدة وفكر جديد وهدفهم تدمير الإسلام من جديد) (١٦٠) .
ومهما حاولت هذه الحملات الاستتار تحت راية " نشر الحضارة والتقدم " في البلاد المستعمرة فإن الحقيقة التي لا تخفى على كل ذي لب أن الغرب بنى ولا يزال يبني علاقاته معنا على أساس أن الحروب الصليبية بيننا وبينهم لا تزال مستمرة وهاكم البراهين على ذلك:
فسياسة أمريكا معنا تخطط على هذا الأساس:
قال " أيوجين روستو " رئيس قسم التخطيط في وزارة الخارجية الأمريكية ومساعد وزير الخارجية الأمريكية ومستشار الرئيس " جونسون " لشئون الشرق الأوسط حتى عام ١٩٦٧:
(يجب أن ندرك أن الخلافات القائمة بيننا وبين الشعوب العربية ليست
_________________
(١) (ويوم دخلوا بيت المقدس ذبحوا فيه سبعين ألفًا من المسلمين حتى غاصت الخيل إلى صدورها في دماء المسلمين) اهـ من (حاضر العالم الإسلامي) لستودارد ص (٢٠٨) .
(٢) (قادة الغرب يقولون) للأستاذ جلال العالم ص (٦ - ٧) طبعة المختار الإسلامي.
[ ٩٤ ]
خلافات بين دول أو شعوب بل هي خلافات بين الحضارة الإسلامية والحضارة المسيحية لقد كان الصراع محتدمًا ما بين المسيحية والإسلام منذ القرون الوسطى وهو مستمر حتى هذه اللحظة بصور مختلفة ومنذ قرن ونصف خضع الإسلام لسيطرة الغرب وخضع التراث الإسلامي للتراث المسيحي.
إن الظروف التاريخية تؤكد أن أمريكا أنما هي جزء مكمل للعالم الغربي فلسفته وعقيدته ونظامه وذلك يجعلها تقف معادية للعالم الشرقي الإسلامي بفلسفته وعقيدته المتمثلة بالدين الإسلامي ولا تستطيع أمريكا إلا أن تقف هذا الموقف في الصف المعادي للإسلام وإلى جانب العالم الغربي والدولة الصهيونية لأنها إن فعلت عكس ذلك فإنها تتنكر للغتها وفلسفتها وثقافتها ومؤسساتها) (١٦١) اهـ
وبالأمس (وقف مندوب أمريكا في هيئة الأمم قائلًا: إن الصراع الحقيقي في الشرق ليس بين العرب واليهود إنما الصراع الحقيقي هو ما بين حضارة الإسلام وحضارة الغرب فإذا استطعنا أن نزيح حضارة الإسلام عن ميدان الصراع هان علينا تصفية
القضية وسهل علينا الجمع ما بين العرب واليهود) (١٦٢) .