(وكان من أعضاء الجيل الأول لهؤلاء المبعوثين الشيخ " رفاعة رافع الطهطاوي " الذي أقام في باريس خمس سنوات " من ١٨٢٦ - ١٨٣١ " تقريبًا وكان قد رافق البعثة المصرية كواعظ وإمام لها وما إن عاد إلى مصر حتى بدأ يبذر البذور الأولى لكثير من الدعوات الدخيلة على البيئة المصرية المسلمة تلك الدعوات التي حمل جراثيمها معه من فرنسا مثل الدعوة إلى فكرة " الوطنية القومية " بمفهومها المادي المحدود المنابذ للرابطة الإسلامية بين المسلمين مهما تباعدت أوطانهم وكذا استوحى من واقع الحياة الفرنسية أفكارًا عن المرأة هي أبعد
_________________
(١) انظر " الإسلام والحضارة الغربية " للدكتور " محمد محمد حسين " ﵀ ص (١٧ - ١٨) .
[ ٢٥ ]
ما تكون عن شرائع الإسلام وآدابه وقد تجلى ذلك في مواقفه الجريئة من قضايا تعليم الفتاة وتعدد الزوجات وتحديد الطلاق واختلاط الجنسين حيث ادَّعى في كتابه " تخليص الإبريز في تلخيص باريز " (١٥) (ص ٣٠٥) أن:
﴿السفور والاختلاط بين الجنسين ليس داعيًا إلى الفساد﴾ اهـ وذلك ليُسوِّغ دعوته إلى الاقتداء بالفرنسيين حتى في إنشاء المسارح والمراقص مدعيًا - ما معناه -:
﴿الرقص على الطريقة الأوربية ليس من الفسق في شيء بل هو أناقة وفتوة﴾
وأنه لا يخرج عن قوانين الحياء ودعا المرأة إلى التعلم حتى تتمكن من تعاطي الأشغال والأعمال التي يتعاطاها الرجال) (١٦)
وهكذا كان "رفاعة الطهطاوي" أول من أثار قضية (تحرير المرأة) في مصر في القرن التاسع عشر الميلادي فسنَّ بذلك أسوأ السنن وبذر هذه الأفكار الدخيلة في التربية الإسلامية ولم يدرك أنه حين ينقل هذه الآراء خاصة ما يتعلق منها بمدلول كلمة "الحرية"
إلى المجتمع الإسلامي يمكن أن ينتهي إلى نفس النتيجة التي انتهت إليها أوربة وهي نبذ الدين وتسفيه رجاله والخروج على حدوده لم يدرك ذلك ولم يلاحظ إلا الجانب البراق الذي يأخذ نظر المحروم من الحرية حين تمارس في مختلف صورها وألوانها وفي أوسع حدودها فكان كالجائع المحروم الذي بهرته مائدة حافلة بألوان الأطعمة فيها ما يلائمه وما لا يلائمه ولكنه
_________________
(١) (وقد كتب الطهطاوي هذا الكتاب أثناء إقامته في فرنسا وعرضه على أستاذه (جومار) قبل أن ينشره بعد عودته) اهـ من "السابق" ص (١٩- ٢٠) . (وقد بين لنا هذا الكتاب - أي" تخليص الإبريز" - أن صاحبه خلق من جديد في الفترة التي قضاها في فرنسا يأنس إلى علمائها ويأنسون إليه فإذا عاد إلى القاهرة أشرف على حركة الترجمة وعُيِّن رئيسًا لتحرير الوقائع المصرية وكتب المقالات وألف الكتب وترجم القوانين وعُيِّن ناظرًا لمدرسة الألسن) اهـ من " تطور النهضة النسائية في مصر"لإبراهيم عبده ودرية شفيق ص (٥٣)
(٢) " الإسلام والحضارة الغربية " د / محمد محمد حسين ص (٣٦) .
[ ٢٦ ]
لم ينظر إليها إلا بعين حرمانه ولم يرها إلا صورة من النعيم الذي يتوق إليه ويشتهيه.
(وكانت دعوة جريئة من " رفاعة " لم يجد لها معارضًا خاصة وأن حاكم البلاد قد بارك دعوته وبارك أول كتاب وضعه " رفاعة " وهو " تخليص الإبريز في تلخيص باريز " يبرز فيه تقدم الغرب ويحسن لمواطنيه الانتفاع بتقدمه وأكثر من هذا فقد قرأ"محمد علي"الكتاب قبل نشره - بناء على تزكية له من الشيخ " حسن العطار " شيخ الأزهر - فأمر بطبعه وأصدر أمره بقراءته في قصوره وتوزيعه على الدواوين والمواظبة على تلاوته والانتفاع به في المدارس المصرية بل إنه أمر بعد ذلك بترجمته إلى التركية) (١٧) اهـ
لقد كان " رفاعة " أول من وضع الأفكار النظرية موضع التنفيذ وأول من أنتج عملًا فكريًا يمهد لخطة اجتماعية عملية وتجلى ذلك في مؤلفيه (تلخيص الإبريز) و(المرشد الأمين) الذي ألفه بناء على أمر الخديوي " إسماعيل " وذلك عام (١٨٧٢) قبل افتتاح أول مدرسة للبنات ترعاها الحكومة بعام واحد وقبل موت رفاعة بأعوام قليلة ولما كان الخديوي " إسماعيل " يقود - في بداية تلك المرحلة - حركة التحديث في كل الميادين السياسية والفكرية والاجتماعية فقد حاول بعد ذلك أن يقنع أهل الرأي بتأليف كتاب في الحقوق والعقوبات يطبقه في المحاكم بحيث يكون سهل العبارة مرتب المسائل على نحو ترتيب القوانين الأوربية ولكن رفض أهل الرأي من مشايخ الأزهر هذه الدعوة فطلب الخديوي من الشيخ رفاعة إقناعهم بقبول ذلك ولكنه اعتذر عن ذلك على الوجه الذي وصفه الشيخ " رشيد رضا " في كتاب تاريخ الإمام " محمد عبده " على الوجه التالي:
_________________
(١) " المؤامرة على المرأة المسلمة " د / السيد احمد فرج ص (٣٨) .
[ ٢٧ ]
قال الشيخ " رشيد ": ﴿حدثني " علي باشا رفاعة بن رفاعة بك الطهطاوي " قال:
إن " إسماعيل باشا " الخديوي لما ضاق بالمشايخ ذرعًا استحضر والده رفاعة بك وعهد إليه أن يجتهد في إقناع شيخ الأزهر وغيره من كبار الشيوخ بإجابة هذا الطلب وقال له: (إنك منهم ونشأت معهم وأنت أقدر على إقناعهم فأخبرهم أن أوربا تضطرب إذ هم لم يستجيبوا إلى الحكم بشريعة " نابليون ") فأجابه بقوله: " إنني يا مولاي قد شخت ولم يطعن أحد في ديني فلا تعرضني لتكفير مشايخ الأزهر إياي في آخر حياتي وأقلني من هذا الأمر" فأقاله﴾ (١٨)
وكان أن انزوى " الطهطاوي " بعيدًا عن مكان الصدارة وانتأى بعيدًا ليحتل مكانه الشيخ " محمد عبده " الذي كان في ذلك الوقت في شرخ الشباب يحدوه جرأة الشباب وإقدامه وهنا تبدأ مرحلة جديدة من مراحل تحرير المرأة.