حمل " حسين سري " (رئيس الديوان) إلى الملك " فاروق " مشروع التشكيل الوزاري الذي سلمه إليه " مصطفى النحاس " رئيس حزب الوفد أخذ الملك في مراجعته ولما بلغ اسم " طه حسين " قال فاروق:
(مستحيل مستحيل أنتم لا تعرفون خطورة هذا الرجل)
وقال أيضًا:
(من المحال أن أوافق على أن يكون وزيرًا للمعارف بالذات مستحيل)
وتدخل " كريم ثابت " الصليبي وأقنع الملك بالعدول عن موقفه.
فمن هو ذلك الرجل الذي أشفق الطاغية " فاروق " من خطره؟
لعل أغلب أبناء هذا الجيل طرق أسماعهم اسم " طه حسين " الموصوف زورًا بأنه
" عميد الأدب العربي " وتخيلوه - من جراء الدعاية المسلطة على عقولهم - الرجل المسلم الوقور تحيطه هالة من الشهرة المدوية والتاريخ الحافل بالأمجاد.
إن من الواجب على أبناء اليقظة الإسلامية المعاصرة أن يمحصوا حقيقة ذلك
_________________
(١) استفدت فقرات هذا الفصل من (طه حسين: حياته وفكره في ميزان الإسلام) للأستاذ " أنور الجندي " بتصرف وانظر: (محاكمة فكر طه حسين) له أيضًا.
[ ١٧٧ ]
الرجل حتى لا ينخدعوا بالدعايات الكاذبة التي تملأ الآفاق مدحًا في " طه حسين " وتمجيدًا له
في حين أنه كان صنيعة لأعداء الإسلام وداعية للتبعية المطلقة للمدنية الغربية بكل مفاسدها وشرورها.
إن " طه حسين " مسئول عن كثير من مظاهر الفساد والتحلل التي ينوء بها المجتمع اليوم ولقد خاض معركة بل معارك من أجل " تسميم " الآبار الإسلامية وتزييف مفهوم الإسلام والتاريخ الإسلامي معتمدًا على سياسة المستشرقين في التحول من المهاجمة العلنية للإسلام إلى خداع المسلمين بتقديم طعم ناعم في أول الأبحاث ثم دس السم على مهل متسترًا وراء دعوى " البحث العلمي " و" حرية الرأي "!! وليس المقام مقام
(الترجمة) لطه حسين ولكنه مقام التنبيه إلى دوره الخطير في محاربة الإسلام وتهديد حصونه من داخلها ثم سرد مقتطفات من أقواله وأفعاله التي تبين مدى حقده على هذا الدين وعلى هذه الأمة ولا أجد أصدق في التعبير عن ذلك من حكم أستاذه " التلمودي " المستشرق " ما سينيون " عليه.
فقد قال الدكتور زكي مبارك:
(وقف المستشرق ماسنيون يوم أديت امتحان الدكتوراة وقال: إنني حين أقرأ بحثًا لطه حسين أقول: " هذه بضاعتنا ردت إلينا ") (٣٢٠) اهـ
وهاك أمثلة من أقواله الكفرية ومواقفه الإبليسية:
١ - فمن ذلك: تكذيبه القرآن المجيد وسائر الكتب السماوية في قوله:
(للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضًا ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي فضلًا عن إثبات هذه القضية التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب ونحن مضطرون أن نرى في هذه القصة نوعًا من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة وبين الإسلام
_________________
(١) (زكي مبارك) للأستاذ " أنور الجندي " ص (١٣٢) .
[ ١٧٨ ]
واليهود والقرآن والتوراة من جهة أخرى) اهـ.
٢ - ومن ذلك قوله: (أن القرآن المكي يمتاز بالهروب من المناقشة والخلو من
المنطق) تعالى الله عما يقول الملحدون علوًا كبيرًا.
٣ - ومن ذلك قوله: (إن الدين لم ينزل من السماء وإنما خرج من الأرض كما
خرجت الجماعة نفسها)
(إن الدين حين يقول بوجود الله ونبوة الأنبياء يثبت أمرين لا يعترف بهما العلم) اهـ.
٤ - ومن ذلك قوله: (إن الفرعونية متأصلة في نفوس المصريين وستبقى كذلك بل يجب أن تبقى وتقوى والمصري فرعوني قبل أن يكون عربيًا ولا يطلب من مصر أن تتخلى عن فرعونيتها وإلا كان معنى ذلك: إهدمي يا مصر أبا الهول والأهرام وانسي نفسك واتبعينا لا تطلبوا من مصر أكثر مما تستطيع أن تعطي مصر لن تدخل في وحدة عربية سواء كانت العاصمة القاهرة أم دمشق أم بغداد وأؤكد قول أحد الطلبة القائل:
" لو وقف الدين الإسلامي حاجزًا بيننا وبين فرعونيتنا لنبذناه ") اهـ.
٥ - ومنه قوله في مجلة " كوكب الشرق " (١٢ أغسطس ١٩٣٣):
(لم أكن في اللجنة التي وضعت الدستور القديم ولم أكن بين الذين وضعوا الدستور الجديد ولم يستشرني أولئك وهؤلاء في هذا النص الذي اشتمل عليه الدستوران جميعًا والذي يعلن أن للدولة المصرية دينًا رسميًا هو الإسلام ولو قد استشارني أولئك وهؤلاء لطلبت إليهم أن يتدبروا وأن يتفكروا قبل أن يضعوا هذا النص في الدستور) اهـ.
٦ - ومن ذلك أنه دعا طلاب كلية الآداب إلى اقتحام القرآن في جرأة ونقده بوصفه كتابًا أدبيًا يقال فيه: هذا حسن وهذا (كذا) تعالى الله عن
[ ١٧٩ ]
زندقته علوًا كبيرًا فقد حكى عنه
(عبد الحميد سعيد) قوله:
(ليس القرآن إلا كتابًا ككل الكتب الخاضعة للنقد فيجب أن يجري عليه ما يجري عليها والعلم يحتم عليكم أن تصرفوا النظر نهائيًا عن قداسته التي تتصورونها وأن تعتبروه كتابًا عاديًا فتقولوا فيه كلمتكم ويجب أن يختص كل واحد منكم بنقد شيء من هذا الكتاب ويبين ما يأخذه عليه) (*) اهـ.
٧ - ومن ذلك: حملته الشديدة على الأزهر الشريف وعلمائه الأفاضل ورميهم جميعًا بالجمود وحثه على:
(استئصال هذا الجمود ووقاية الأجيال الحاضرة والمقبلة من شره) على حد تعبيره.
٨ - ومن ذلك أيضًا تشجيعه لحملة (محمود أبو رية) على السنة الشريفة ومن ذلك أيضًا تأييده لـ (عبد الحميد بخيت) حين دعا إلى الإفطار في رمضان وثارت عليه ثائرة علماء المسلمين.
٩ - ومنه: مطالبته بإلغاء التعليم الأزهري وتحويل الأزهر إلى جامعة أكاديمية للدراسات الإسلامية وقد أطلق عليها (الخطوة الثانية) وكانت " الخطوة الأولى " هي إلغاء المحاكم الشرعية التي هلل لها كثيرًا.
١٠ - قوله: (خضع المصريون لضروب من البغي والعدوان جاءتهم من الفرس والرومان والعرب أيضًا) اهـ.
١١ - ومن ذلك أنه أعاد خلط الإسرائيليات والأساطير إلى السيرة النبوية بعد أن نقاها العلماء المسلمون منها والتزيد في هذه الإسرائيليات والتوسع فيها.
١٢ - ومن ذلك: حملته على الصحابة ﵃ وعلى الرعيل الأول من الصفوة المسلمة وتشبيههم بالسياسيين المحترفين الطامعين في
_________________
(١) (*) من " طه حسين " لأنور الجندي ص (٢٢٩) .
[ ١٨٠ ]
السلطان - وحاشاهم ﵃ - وذلك في محاولة منه لإزالة ذلك التقدير الكريم الذي يكنه المؤرخون المسلمون لصحابة رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم.
١٣ - ومن ذلك: عمله على إعادة طبع رسائل " إخوان الصفا " وتقديمها بمقدمة ضخمة في محاولة إحياء هذا الفكر الباطني المجوسي المدمر وإحياؤه شعر المجون والفسق والحديث عن شعرائهما بهالة من التكريم كأبي نواس وبشار وغيرهم وكذا ترجمة القصص الفرنسي الإباحي الماجن وطعنه في ابن خلدون والمتنبي وغيرهما.
١٤ - ومن ذلك قوله: (أريد أن أدرس الأدب العربي كما يدرس صاحب العلم الطبيعي علم الحيوان والنبات ومالي أدرس الأدب لأقصر حياتي على مدح أهل السنة وذم المعتزلة من الذي يكلفني أن أدرس الأدب لأكون مبشرًا للإسلام أو هادمًا للإلحاد) اهـ.
١٥ - ومنه قوله: (إن الإنسان يستطيع أن يكون مؤمنًا وكافرًا في وقت واحد مؤمنًا بضميره كافرًا بعقله فإن الضمير يسكن إلى الشيء ويطمئن إليه فيؤمن به أما العقل فينقض ويبدل ويفكر أو يعيد النظر من جديد فيهدم ويبني ويبني ويهدم) اهـ.
١٦ - ومن ذلك قوله: (علينا أن نسير سيرة الأوربيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادًا فنأخذ الحضارة خيرها وشرها وحلوها ومرها وما يحب منها وما يكره وما يحمد منها وما يعاب) اهـ.
١٧ - ومن ذلك قوله في تصوير سر إعجابه " بأندريه جيد ": (لأنه شخصية متمردة بأوسع معاني الكلمة وأدقها متمردة على العرف الأدبي وعلى القوانين الأخلاقية وعلى النظام الاجتماعي وعلى النظام السياسي وعلى
[ ١٨١ ]
أصول الدين)
وذكر أنه يحب " أندريه جيد " ويترسم خطاه ويصور نفسه من خلال شخصيته.
١٨ - ومن ذلك: وصفه لوحشية المستعمرين الفرنسيين وقسوتهم في معاملة المسلمين المغاربة: بأنها (معانة ومشقة في سبيل بسط الحضارة الفرنسية والمدنية على تلك الشعوب المتوحشة التي ترفض التقدم والاستنارة) .
١٩ - ومن ذلك: استقدامه لبعض المستشرقين المحاربين لله ورسوله الطاعنين في القرآن الكريم لإلقاء محاضرات حول الإسلام في الجامعة المصرية لتشكيك الطلاب في القرآن والإسلام.
٢٠ - ومن ذلك: تشجيعه تيار التنصير في الجامعة وحينما اكتشف هذا المخطط التنصيري قال: (ما يضر الإسلام أن ينقص واحدًا أو تزيد المسيحية واحدًا) وعندما تكشف أن هناك كتبًا مقررة في قسم اللغة الإنكليزية تتضمن هجومًا على الإسلام ورسوله " قال: (إن الإسلام قوي ولا يتأثر ببعض الآراء) واكتفى بهذا في حين ترك للأساتذة الإنكليز مطلق الحرية في هذا العمل.
٢١ - ثم عمد " طه حسين " إلى إخراج كل من له رأي أو أصالة من كلية الآداب واستبقى أعوانه الذين سار بهم إلى الطريق الذي رسمه وعانه على ذلك " لطفي السيد " الذي كان مديرًا للجامعة وفي نفس الوقت تابعًا لخطط " طه حسين " وخاصة في خطة إنشاء معهد " التمثيل والرقص الإيقاعي " ودعوة الطالبات إلى الاختلاط وتحريضهن على ذلك ومعارضة الجبهة المسلمة التي حاولت أن تدعو إلى الدين والأخلاق وهكذا تحولت الجامعة إلى مجتمع متحلل من قيود الأخلاق الإسلامية فأقيمت حفلات رسمية في دار الأوبرا خليت لها الراقصات المحترفات ومن ثم عرفت
[ ١٨٢ ]
حفلات الرقص والسمر في البيوت مما قصت أخباره بعض الخريجات وغيرها والرحلات المشتركة وما كان يجري في اتحاد الجامعة ورابطة الفكر العالمي من محاضرات مادية
إلحادية ومقطوعات فرنسية على البيانو وروايات تمثيلية تقوم على الحب والغرام.. وقد وصل الأمر إلى حد أن أحد الأساتذة " الأجانب " ضاق ذرعًا بذلك الفساد فكتب يقول:
(إنه خليق بالجامعة أن تمثل المثل الأعلى - " يعني للطلاب " - لا أن تمثل فيهم دور السكير) !.
وكان " طه حسين " يرعى ذلك ويقول: (إن هذا النوع من الحياة الحديثة يمضي عليه وقت طويل في مصر حتى يغير العقلية المصرية تغييرًا كبيرًا) .
٢٢ - وتتابعت خطوات " طه حسين " في كلية الآداب في سبيل خطته فأقام حفلًا لتكريم " رينان " الفيلسوف الفرنسي الذي هاجم الإسلام أعنف هجوم ورمى المسلمين والعرب بكل نقيصة في آدابهم وفكرهم وكذلك جعل " طه حسين " الشعار الفرعوني هو شعار الجامعة وقد لقي من ذلك كله معارضة شديدة وخصومة واسعة وصلت إلى كل مكان في البلاد العربية وأرسل إليه الأستاذ " توفيق الفكيكي " من العراق برقية قال فيها: " إن شعاركم الفرعوني سيكسبكم الشنار وستبقى أرض الكنانة وطن الإسلام
والعروبة برغم الفرعونية المندحرة ".
٢٣ - وذكرت مجلة " النهضة الفكرية " في عددها الصادر في ٧
نوفمبر ١٩٣٢ م:
(أن الدكتور " طه " تعمد في إحدى كنائس فرنسا وانسلخ من الإسلام من سنين في
سبيل شهوة ذاتية) (٣٢١) .
_________________
(١) انظر ما قيل حول تنصره في " طه حسين حياته وفكره في ميزان الإسلام " للأستاذ أنور الجندي ص (٧٣ - ٧٤) .
[ ١٨٣ ]