وكان للحركة صدى عميق في نفوس الأدباء والشعراء (٩٣)
وهذا " أحمد محرم " (٩٤)
الذي أعجب به " مصطفى كامل " وطالما أشاد به وبشعره على صفحات اللواء يقول مستنكرًا دعوة " قاسم أمين ":
أغرك يا أسماء ما ظن قاسم؟! أقيمي وراء الخدر (٩٥) فالمرء واهم
_________________
(١) السابق ص (١٦٣ - ١٦٤) .
(٢) كان أكثر شعراء تلك الفترة من أهل الرأي والفكر ولم يكونوا مجرد نظاميين.
(٣) " أحمد محرم " (١٨٧١ - ١٩٤٥) عده الأدباء في الطبقة الأولى من شعراء جيله وسلكوه في صف شوقي وحافظ وطبع شعره الإسلامي بعنوان (الإلياذة الإسلامية) سنة ١٩٦٣.
(٤) الخدر: ستر يمد للجارية في ناحية البيت وجارية مخدرة ومخدورة إذا ألزمت الخدور وانظر " لسان العرب " (٥ / ٣١٢ - ٣١٥) .
[ ٥٨ ]
تضيقين ذرعًا بالحجاب وما به سوى ما جنت تلك الرؤى والمزاعم
سلام على الأخلاق في الشرق كله إذا ما استبيحت في الخدور الكرائم
أقاسم لا تقذف بجيشك تبتغي بقومك والإسلام ما الله عالم
لنا من بناء الأولين بقية تلوذ بها أعراضنا والمحارم
أسائل نفسي إذا دلفت (٩٦) تريدها أأنت من البانين أم أنت هادم؟
ولولا اللواتي أنت تبكي مصابها لما قام للأخلاق في مصر قائم
نبذت إلينا بالكتاب (٩٧) كأنما صحائفه مما حملنا ملاحم (٩٨)
ففي كل سطر منه حتف مفاجئ وفي كل حرف منه جيش مهاجم
إلى أن يقول:
لنا في كتاب الله مجد موثل (٩٩) وملك على الحدثان (١٠٠) والدهر دائم
إذا نحن شئنا زلزل الأرض نابنا ودامت لنا أقطارها والعواصم
******
هممنا بربات الحجال (١٠١) نريدها أقاطيع ترعى العيش وهي سوائم
وإن امرءًا يلقى بليل نعاجه إلى حيث تستن الذئاب بظالم
وكل حياة تثلم العرض سبة ولا كحياة جللتها المآثم
أتأتي الثنايا الغر والطرر (١٠٢) العلى بما عجزت عنه اللحى والعمائم؟
_________________
(١) دلفت: أي تقدمت.
(٢) يشير إلى كتاب " تحرير المرأة ".
(٣) جمع ملحمة: وهي الوقعة العظيمة القتل.
(٤) أي الحسيب الأصيل العظيم الشريف.
(٥) الحدثان: النوب.
(٦) الحجل بفتح الراء وكسرها: الخلخال.
(٧) الطرر: جمع طرة: جانب الثوب الذي لا هدب له وطرف كل شيء.
[ ٥٩ ]
فلا ارتفعت سفن الجواء بصاعد إذا حلقت فوق النسور الحمائم
عفى الله عن قوم تمادت ظنونهم فلا التهج مأمون ولا الرأي حازم
ألا إن بالإسلام داءًا مخامرًا وإن كتاب الله للداء حاسم (١٠٣)
***********************
وهاجم الشاعر العراقي " البناء " السفوريين وخاطب المرأة قائلًا:
وجوه الغانيات بلا نقاب تصيد الصيد في شرك العيون
إذا برزت فتاة الخدر حسرى تقود ذوي العقول إلى الجنون
وهذا الشاعر " جواد الشبيبي " يقول مستنكرًا الدعوة الأثيمة:
منع السفور كتابنا ونبينا فاستنطقي الآثار والآيات
تلك الوجوه هي الرياض بها أزدهت للناظرين شقائق الوجنات
كانت تكتم في البراقع خفية من أن تمس حصانة الخفرات (١٠٤)
واليوم فتحها الصبا فتساقطت بعواطف الألحاظ والقبلات
صوني جمالك بالبراقع إنها ستر الحسان ومظهر الحسنات
وضعي الصدار على الترائب إنه حق عليكي فحق نهدك نات (*)
وتماثلي في البيت صورة دمية مكنونة الأعضاء في الحبرات (١٠٥)
وفي قصيدة للأزدي يعارض فيها "الرصافي"ويخاطب بنت بغداد " كريمة الزوراء " ويحذرها من ضلال السفوريين ويبصرها بعواقب مسلكهم الوخيم، يقول:
_________________
(١) ديوان محرم (٢/٦٣ - ٦٥) الطبعة الأولى (١٣٣٨ هـ - ١٩٢٠ م) - مطبعة الفتوح بدمنهور.
(٢) امرأة خفرة: أي شديدة الحياء. (*) كذا بالأصل!
(٣) انظر " قاسم أمين " للدكتور " ماهر حسن فهمي " ص (١٧٣) .
[ ٦٠ ]
أولم يرو أن الفتاة بطبعها كالماء لم يحفظ بغير إناء
من يكفل الفتيات بعد ظهورها مما يجيش بخاطر السفهاء؟
ومن الذي ينهى الفتى بشبابه عن خدع كل خريدة حسناء؟
إلى أن يقول:
نص الكتاب على الحجاب ولم يبح للمسلمين تبرج العذراء
ماذا يريبك من حجاب ساتر جيد المهاة (١٠٦) وطلعة الذلفاء (١٠٧)
ماذا يريبك من إزار مانع وزر الفؤاد وضلة الأهواء
ما في الحجاب سوى الحياء فهل من التهذيب أن يهتكن ستر حياء
هل في مجالسة الفتاة سوى الهوى لو أصدقتك ضمائر الجلساء
شيد مدارسهن وارفع مستوى أخلاقهن لصالح الأبناء
أسفينة الوطن العزيز تبصري بالقعر لا يغررك سطح الماء (١٠٨)
وهذا " أديب التقى " يحذر من السفور كذريعة إلى الخلاعة والدمار الاجتماعي:
كيف ترضى بأن ترى حاسرات يتملى وجوهها الفجار
واتخذن الخلاعة اليوم خلقًا هو للشعب لو أفاق دمار (١٠٩)
وفي السودان هاجم الشيخ " حسيب علي حسيب " يعنف دعاة السفور فقال:
دعوا في خدرها ذات الدلال فقد أرهقتموها بالجدال
رأيت شعورها الحساس مضنى على هذا الجمود عن المعالي
تذوب وقد تناذرتم حياء بفحش اللفظ أو هجر المقال
ويعلو خدها خفر ينادي ألا يا للنساء من الرجال
_________________
(١) الجيد - بالكسر: العنق أو مقدمه و(المهاة): الشمس والبقرة الوحشية.
(٢) الذلف: صغر الأنف.
(٣) " الأدب العصري " (٢ / ٥٦) طبعة القاهرة (١٩٢٣) .
(٤) " الاتجاهات الفكرية في بلاد الشام " ص (١٤٤) طبعة القاهرة (١٩٥٨) .
[ ٦١ ]
زعمتم تعشقون لها صلاحًا فظني أن ذا عشق الجمال
ومسألة (السفور) غدت قديمًا لدى الكتاب مشكلة النضال
وما أحد لها يدعوا فماذا يريد الناس من قيل وقال
أحب في مناجاة الغواني ترى: أم ذاك زهدًا في المعالي
بلى فالعلم عندهم كريم ولكن المتيم غير سال
دعوها فهي تؤلمها كثيرًا سهام المصلحين بلا اعتدال
عجبت لحلمهم في كل خطب وإن ذكر البنات دعوا نزال
وقال آخر:
زعموهن بالحجاب عن العلم ونور العرفان محتجبات
بنت مصر كالشمس يحجبها الليل وراء الآفاق والظلمات
وهي في أفقها ضياء ونور ساطع في جدورها النيرات
أو هي المسك ينفذ العرف منه من وراء الأستار والحجرات
انتهى من (التيار التراثي العربي الحديث) د/ سعد دعيبس ص (١٤٨)