تصدى " مصطفى كامل" من جديد لقاسم أمين وكتب في اللواء بتاريخ ٩ / ٢ /١٩٠١ م معلقًا على كتاب " المرأة الجديدة ": (أخرجه أخيرًا قاسم أمين ليدعم به أمر كتابه الأول ويفتح به آفاقًا جديدة تحلل المسلمين من دينهم وأخلاقهم) اهـ
وحكى "مصطفى كامل " أن سلطان "ملديفي" لما بلغه خبر الكتاب وسئل عن رأيه في هذه الاتجاهات قال: (أما تعليم النساء المسلمات فقد أصبح من المسائل الحيوية للإسلام والمسلمين ولكنه لو مال عن طريق الشريعة الغراء إلى خطة مدنية الغرب الغبراء كان معولًا لهدم أركان الإسلام وفأسًا لفتح القبور لأبنائه ودسهم فيها وهم أحياء أما رفع الحجاب فلا أرضاه لنسائي وبلادي وأما المرأة وحق طلاق زوجها فدعوة لا تصدر من معترف بقول الله في كتابه: (الرجال
_________________
(١) = فننسلخ من لغة القرآن ونكتب آدابنا بلهجاتنا العامية على نحو ما انسلخت اللغات الأوربية الحديثة من أمها اللاتينية ونعبر في خطنا عن الحركات بحروف تدخل في بنية الكلمة على طريقة الكتابة بالحروف اللاتينية - (انظر " الأعمال الكاملة " ١/ ١٥٧ - ١٥٨) ولا يخفى ما في هذا " التكتيك الخبيث " من خدمة عظيمة لأعداء الإسلام تشير بإصبع الاتهام من جديد إلى " قاسم أمين ".
(٢) " المرأة الجديدة " ص (١٨٥ - ١٨٦) . .
[ ٦٨ ]
قوامون على النساء) (النساء ٣٤) فنسأل الله السلامة) اهـ (١١٩)
وأفسح " مصطفى كامل " لعلماء المسلمين المجال في جريدة اللواء ليتصدوا لهذه الدعوة الاستعمارية وليبينوا حكم الإسلام فيها وفي أصحابها (وكان من الكتاب الذين نشرت لهم " اللواء " مقالات تعيب على قاسم أمين وذيوله خصومة الحجاب وتجاوز ذلك إلى تحرر يسيء إلى حياة الأمة الأستاذ " محمود سلامة " الأديب المعروف) (١٢٠)
ومن البحوث التاريخية التي نشرها " اللواء " أيضًا ذلك البحث الذي وضعه قاضي قضاة مصر (١٢١) السيد " عبد الله جمال الدين أفندي " ﵀ ونشرته له " اللواء " في عدديها رقم (٤٥٦ و٤٥٧) بتاريخ (٢٥ و٢٦ من ذي الحجة سنة ١٣١٨هـ أي في أواخر سنة ١٩٠٠م) وقد استغرق هذا البحث من كل عدد الصفحة الأولى كاملة وثلث الصفحة الثانية (١٢٢) .
وبما أن هذه الحركة كانت قد نشأت في بيئة وطيدة الصلة بالاحتلال البريطاني معادية في نفس الوقت لحاكم البلاد الرسمي (الخديوي) فكان من الطبيعي أن يقف منها الخديوي موقف العداء
أولًا: لمنافاتها للإسلام في وقت كان الحكام والأمراء يفاخرون بالحرص عليه
وثانيًا: لصلتها بالاحتلال الذي يعمل على حشد القوى المناصرة له لمناهضة الخديوي والحد من سلطانه وقد أبرز (مصطفى كامل) موقف الخديوي " عباس حلمي " من هذه الحركة في اللواء بتاريخ (٢٢ إبريل من سنة
_________________
(١) " الحركات النسائية في الشرق " ص (١٨) .
(٢) انظر " تطور النهضة النسائية " ص (٥٨) .
(٣) كره بعض العلماء هذا اللقب لشبهه بلقب " شاهنشاه " أي ملك الأملاك المذموم في السنة الصحيحة وذلك قوله " (إن أخنع اسم عند الله تعالى رجل تسمى ملك الأملاك) متفق عليه.
(٤) وقد طبع حديثًا في كتيب بعنوان (حجاب المرأة العفة والأمانة والحياء) طبع مكتبة التراث الإسلامي (١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م) .
[ ٦٩ ]
١٩٠١ م) بعنوان: (رأي الجناب العالي في مسألة الحجاب) وقد جاء فيه ما نصه:
(يرى الجناب العالي حفظه الله في مسألة الحجاب وإطلاق حرية النساء ما يراه الشرع الشريف ويأمر به وقد عرف رأي جنابه في هذا الشأن بأمرين:
الأول: أنه أبى قبول كتاب " المرأة الجديدة " عندما ذهب " قاسم أمين " في الأيام الأخيرة إلى المعية السنية والتمس تقديمه إلى سموه.
الثاني: أنه قبل كتاب " الاحتجاب " الذي رفعه إليه يوم الجمعة الماضي حضره الأستاذ الفاضل الشيخ عبد الله نقيب الأشراف برودس وقريب مؤلف الكتاب عبد الله جمال الدين أفندي ﵀ وتقبله حفظه الله بكل ارتياح وانشراح وأعرب عن عظيم امتنانه من نشره حتى ينتفع به
المسلمون ويرشدهم إلى الحق والصواب) اهـ
هذا ولم يقف الأمر بالخديوي حيال " قاسم أمين " عند هذا الحد بل لقد أصدر أمرًا بمنعه من دخول القصر في أي مناسبة مع أنه مستشار (١٢٣) في الدولة وذلك أنصع في الدلالة على استنكار الخديوي لهذه الحركة الأثيمة (١٢٤) .
_________________
(١) درس " قاسم أمين " الحقوق في فرنسا وعاد إلى مصر سنة ١٨٨٥ م فتعين وكيلًا للنائب العمومي في محكمة مصر المختلطة وما زال يرتقي حتى صار مستشارًا في الاستئناف إلى أن مات بالسكتة في ليلة ٢٣ أبريل ١٩٠٨ م وهو في الثالثة والأربعين من عمره وقد زعم الصحافي " مصطفى أمين " أنه لم يمت موتًا طبيعيًا ولكنه انتحر وذكر سبب ذلك في مقالة نشرت بجريدة المساء (الخميس ٤ / ٨ / ١٩٨٣) بعنوان " هل انتحر محرر المرأة بسبب امرأة ".
(٢) ومن المواقف (الملكية) النادرة ما روته وصيفة " الملكة نازلي " عن شدة معاملة " الملك فؤاد " لها قالت: ﴿وفي السبع عشرة سنة التي عاشها الملك مع الملكة لم يسمح لها بالسفر إلى أوربا سوى مرة واحدة عندما أجمع الأطباء على ضرورة سفرها إلى إحدى مدن المياه المعدنية بفرنسا لتعالج فيها وذلك عام ١٩٢٧ م وكان الملك مسافرًا لبعض دول أوربا زيارة رسمية ورفض أن يصحبها معه في هذه الزيارات واشترط أن تبقى في أوربا محجبة ورفض أن تكون معه على نفس الباخرة وأمر بأن تسافر باليخت (المحروسة) ليتفادى سفرها بالبواخر العادية حتى لا تختلط بالرجال وأمر الملك أن يكون هناك (ديدبان) طوال =
[ ٧٠ ]
_________________
(١) = الليل في الممشى أمام الجناح الخاص بالملكة في اليخت وعندما بدأت الرحلة وخيم الظلام في الليلة الأولى رأت الملكة الديدبان فغضبت وهاجت وماجت وأمرت قبطان اليخت المحروسة بسحب الديدبان فورًا وقال لها القبطان في احترام: " إنني أنفذ أوامر جلالة الملك شخصيًا " وقالت الملكة: " ولكن وجوده هنا يضايقني وصوت حذائه يزعجني ويقلق نومي " ولم يستطع القبطان أن يقول إن صوت الحذاء لا يسمع مع وجود (البساط) المفروش على الأرض بل قال للملكة: إذا كان صوت حذاء الديدبان يزعج جلالتك فإنني سآمره أن يخلع حذائه وفعلًا كان الجنود الذين يتناوبون الحراسة ليلًا أمام جناح الملكة يخلعون أحذيتهم ويقفون حفاة تنفيذًا لأمر الملك من جهة وإرضاءً للملكة من جهة أخرى. وحدث في تلك الأيام أن نشرت مجلة (روز اليوسف) صورة للملكة نازلي ووجهها مكشوف فقامت قيامة الملك فؤاد وطلب من " توفيق نسيم " باشا رئيس الديوان الملكي أن يطلب من " عبد الخالق ثروت " باشا رئيس الوزراء إغلاق مجلة روز اليوسف بتهمة (العيب في الذات الملكية) .. وحقق مدير المطبوعات مع " روز اليوسف " فقالت: " إن الصورة منقولة عن جريدة فرنسية وزعت في مصر " واكتفى مدير المطبوعات بتوجيه توبيخ شديد اللهجة إلى " روز اليوسف ". وكان الملك فؤاد يحرص أن لا تظهر الملكة نازلي سافرة أمام رجل حتى أنها كانت لا تستطيع أن تتنزه في حدائق القصر الملكي إلا إذا حجبت نصف وجهها وبعدما يتحقق بوليس القصر من عدم وجود رجل في المنطقة التي ستتنزه فيها الملكة وفي الوقت الذي ستتنزه فيه الملكة وفي الوقت نفسه يصدر الأمر إلى جنود الحرس الملكي الذين يقفون فوق جدران القصر أن يديروا ظهورهم إلى حديقة القصر طول مدة سير الملكة في الحديقة! وحدث أن قرر الملك (أمان الله خان) ملك أفغانستان أن يزور مصر وهو في طريقه إلى أوربا فصحب الملكة (ثريا) زوجته ورحب الملك فؤاد بملك أفغانستان ثم سمع أن الملك (أمان الله) دعا نساء أفغانستان إلى نزع الحجاب إقتداء بالغازي (كمال أتاتورك) الذي ألغى الحجاب في تركيا وجاءت البرقيات تقول أن الملكة ثريا سترافق الملك " سافرة " في رحلته وعندئذ ألغى الملك فؤاد استضافته ملك أفغانستان في قصر عابدين بحجة أن التقاليد تحول دون اشتراك الملكة ثريا في الزيارة الرسمية وعُرف أن الملك فؤاد لا يريد أن تقيم ثريا في قصر عابدين حتى لا تسمم أفكار الملكة نازلي ووافق الملك أمان الله على أن تكون إقامة ثريا في مصر إقامة غير رسمية فلا تشترك في الحفلات والاستقبالات التي يدعى إليها ولم يكتفي الملك فؤاد بذلك بل أبلغ الملك أمان الله أنه يرجو ألا تظهر زوجته سافرة أثناء إقامتها في مصر مراعاة لتقاليدها وخضعت ثريا لرغبة الملك وأصدر الملك فؤاد أمره إلى وزارة الداخلية بعدم محاولة تصوير ملكة أفغانستان وفعلًا لم تظهر صورة واحدة للملكة ثريا في الصحف المصرية طوال مدة إقامتها. =
[ ٧١ ]