(وبعد ظهر يوم ٢٠ سبتمبر ١٩٧٥ م عدت إلى بيتي بعد أن
تناولت الغداء في أحد الفنادق وفي ردهة العمارة رأيت جمعًا
من الناس يلتف حول ملاءة بيضاء وسألت: ماذا حدث؟
قالوا:إن سيدة ألقت بنفسها من شرفة الطابق السادس
ورفعت الملاءة البيضاء ووجدت جثة جارتي درية شفيق)
" مصطفى أمين " الأخبار ١٢ / ٤ / ٨٦.
تلميذة وفية من تلميذات (لطفي السيد) رحلت وحدها - بمجرد تخرجها - إلى فرنسا لتحصل على الدكتوراة ثم تعود لتشكل حزب (بنت النيل) ثم ترحل إلى إنكلترا حيث تقابل بحفاوة بالغة قيل أنه لم ينل مثلها كثير من رؤساء الدول وزعمائها ورحبت بها الصحف البريطانية بدون استثناء ونشرت عنها الأحاديث العديدة التي تصورها بصورة الداعية الكبرى إلى تحرير المرأة المصرية من أغلال الإسلام وتقاليده.. أغلال الحجاب والطلاق وتعدد الزوجات، ومن هذه الأحاديث ما كتبه مراسل جريدة الـ
(سكتشمان) يقول: (إن الأهداف المباشرة لحزب بنت النيل هي كما أوضحتها الدكتورة " درية شفيق ": منح المرأة حق الاقتراع
_________________
(١) = ومن الجدير بالذكر أن (غاندي) هذا كان هندوسيًا وثنيًا كارهًا للإسلام ومتعصبًا ضد المسلمين وكان يخفي وثنيته البغيضة وراء المغزل والشاة وهو الذي سرق الحركة الإسلامية من الزعماء المسلمين بالخيانة والتآمر مع الاستعمار الإنكليزي فسيقوا إلى السجن وسحب غاندي الحركة الوطنية من أيديهم واستعان ببريطانيا من أجل تحويل المسلمين في الهند إلى أقلية وقد كان للمسلمين قوة بلغت حدًا جعل الحكومة التي صارت تقبض على ألف مسلم في الصباح تطلقهم في المساء بسبب أن السجون لم تعد تسع المعتقلين وخطب الـ (لورد) ريدنج الحاكم العام في كلكتا فقال: (إنني شديد الحيرة من جراء هذه الحركة ولست أدري ماذا أصنع فيها؟) فلا تغتر أيها المسلم بهذا الوثني الذي يحرص أعداء الإسلام على أن يرسموا له صورة مزخرفة تخفي جرائمه في حق الإسلام والمسلمين وتنبه لخطر " القومية النسائية " التي تجعل المسلمة الموحدة أختًا للهندية المشركة. انظر ص (١٢٣ - ١٢٤) من هذا الكتاب، و(رجال اختلف فيهم الرأي) ص (١٠٤ - ١١٤) .
(٢) (الحركات النسائية في الشرق) ص (٢٩) وما بعدها.
[ ١١٨ ]
وحق دخول البرلمان والمطمع الثاني الذي تهدف الدكتورة لتحقيقه هو إلغاء تعدد الزوجات وإدخال قوانين الطلاق الأوربية في مصر) اهـ.
ولما عادت إلى مصر عظم نشاطها وتوفرت لها أسباب الحماية والحرية وتهيأت لها عوامل النشر والإذاعة حتى لقد حيل بين أهل الرأي ودعاة الدين وحماته وبين الرد على دعوتها التي وصفتها هي نفسها بأنها تريد للمرأة (حقًا في الحرية الحرة المطلقة من كل قيد) (٢٢٣) .
وبلغ التوتر مبلغه ونهض علماء الدين ودعاة الفضيلة والأخلاق على قلب رجل واحد يجابهون الاستعمار في شخص هذه المرأة أمام أعظم حصن من حصون الإسلام وهو الأسرة المسلمة ووقف الاستعمار بأمواله ونفوذه
وانكشف بعض المستور حين قدمت إحدى عضوات مجلس إدارة الحزب استقالة مسببة ما لبثت أن قبلتها الرئيسة دون عرضها على مجلس الإدارة وكم كانت الدهشة كبيرة حين علم انه قد حيل بين كثير من الصحف وبين نشر سبب الاستقالة حتى فوجئ الشعب بأن السبب هو أن السفارة الإنكليزية والسفارة الأمريكية تمدان الحزب بألفين من الجنيهات سنويًا (٢٢٤) عدا الورق المصقول وغيره فضلًا عن تقديم المشورة والتوجيه
وقد أشادت " درية شفيق " بجهود " طه حسين " بك ومدرسته من أصدقائه وتلامذته في القضاء على ما أسمته " التقاليد السخيفة " حتى أخذ الناس بفضلها
_________________
(١) " تطور النهضة النسائية " ص (٦٠) .
(٢) وكانت (درية) قد أنشأت معهدًا نسائيًا لتدعيم نشاطها في حركة " تحرير المرأة " وقد عددت في كتابها (تطور النهضة النسائية في مصر من عهد محمد على إلى عهد الفاروق) أفضال بعض الشخصيات (الكريمة) التي مولت عملية إنشاء هذه الدار قالت: (وهنا لا يمكنني أن أجحد فضل المرحوم (! !) المستر هربرمان الأمريكي الذي تبرع بمبلغ مائتي جنيه أرسلها من أمريكا مساعدة في تأسيس هذه الدار)، وقالت: (كما أخذ المسيو بيانكي المقاول الكبير على عاتقه بناء هذه الدار بقدر ما يمكن من العناية والاقتصاد) اهـ ص (١٣١) .
[ ١١٩ ]
يتسابقون في تحرير بناتهم ثم تقول:
(وكان من نتيجة هذه الجهود مجتمعة أن تيسر تحقيق حلم الخديوي إسماعيل القديم وهو اعتبار مصر جزءًا من أوربا) (٢٢٥)
وهي تعتبر أن الخديوي إسماعيل كان (ضرورة) لمصر ليطفر بها من الخمول واليأس إلى النضوج والاستواء وتقيم أدلتها الدامغة (!) على ذلك فتقول:
(ترقت الحياة في عهد إسماعيل فشهدت قصوره حياة اجتماعية لم تعرف في مصر الحديثة شهدت قصوره الحفلات الراقصة وشهد عصره أذواق الملابس الجديدة حتى ألوان الطعام تنوعت ودخل فيها جديد)
ثم تتحدث عن " اكتشاف " تاريخي " خطير " قائلة:
(وقد حدثتنا الوثائق المكتشفة أخيرًا أنه اشترك لزوجاته وسيدات أسرته في سبع مجلات " للموضة " فكانت نماذج الأزياء في مصر والشرق العربي تخرج من قصوره)، ثم تقول:
(وهذه العناية بشئون النساء - وإن كانت خاصة - إلا أن ورائها قلبًا كبيرًا يعرف للمرأة حقها ونوايا طيبة بدأ أثرها في خلال عصره الزاهر) (٢٢٦) .
وهذه المرأة هي التي قادت مظاهرة الجامعة الأمريكية في إبريل سنة (١٩٥١ م) بتحريض من وزير الشئون الاجتماعية البريطانية " سمر سكيل " حين اجتمعت به في مصر (٢٢٧) وقادت الإضراب عن الطعام والاعتصام بنقابة الصحافيين في (١٢ مارس ١٩٥٤ م) - مطالبة بحقوق المرأة المزعومة.
وفي إبريل سنة (١٩٥١ م) عقد مؤتمر نسائي دولي في أثينا حضرته هذه المرأة ممثلة المرأة المصرية زورًا وبهتانًا وقد كان المؤتمر مؤامرة استعمارية بعيدة المدى
_________________
(١) (تطور النهضة النسائية في مصر) ص (١٥) .
(٢) السابق ص (٤٥ - ٤٦) .
(٣) انظر تفاصيل تلك (المهزلة) في كتابها (المرأة المصرية) ص (٢٠١ - ٢٠٨) .
[ ١٢٠ ]
كما يبدو من أحد قراراته التي أيدتها " درية شفيق " فيما يتعلق بإقرار " سياسة التسليح الدفاعي " مما كان من شأنه تأييد الاحتلال البريطاني لمصر ولذلك صفقت المندوبة البريطانية تصفيقًا حارًا لذلك القرار.
وكانت تلك المرأة تصرخ مطالبة بحق المرأة في الانتخاب والترشيح وبضرورة إيجاد نص في القانون يجعل النساء سواسية مع الرجال إزاء هذا الحق المزعوم فقامت ضدها قومة علماء الدين " وعلى رأسهم فضيلة مفتي الديار المصرية آنذاك الشيخ محمد حسنين مخلوف حفظه الله " ودعاة الفضيلة والأخلاق بحملتهم الناجحة التي أحبطت كيد الاستعمار وأذنابه وأسندت ظهر الأمة أمام الخطر وإذا " بالزعيمة " تتصل بإنكلترا مستغيثة فلجأت على الفور إلى مندوب الإذاعة البريطانية في مصر
" باتريك سميث " ليرفع إلى بلاده شكوى عميلتها من الحكومة المصرية!
ولذلك لم يعجب هؤلاء الذين استمعوا إلى المذيع البريطاني المذكور حينما تكلم إلى بلاده حينذاك قائلًا ما ملخصه:
(جاءتني الدكتورة " درية شفيق " زعيمة حزب بنت النيل وقد شكت إلىّ من أن الجهات المسئولة في مصر تعارض بشدة مطالبتها بحقوق المرأة السياسية وكفاحها من أجل تمثيل المرأة داخل البرلمان المصري وطلبت مني أن أناشد الصحف البريطانية كي تؤازرها بكل ما تستطيعه وأن تضغط على الدوائر المصرية حتى تكف عن معارضتها القائمة)، ثم أوصى " حضرته " في رسالته (بضرورة مؤازرة هذه الزعيمة في
دعوتها إلى تحرير المرأة المصرية عملًا بميثاق هيئة الأمم المتحدة الذي تحتكم إليه الزعيمة والذي ينص على تطبيق مبدأ المساواة في الحقوق السياسية والاجتماعية بين الرجال والنساء في الدول الأعضاء والتي من بينها مصر) اهـ، وفي عهد وزارة
" على ماهر " إذا به يسمح لها بالسفر إلى لندن لحضور المؤتمر النسائي الدولي هناك ثم تنتقل بعد ذلك على الفور بصحبة مندوبة إنكلترا لحضور المؤتمر النسائي في نابلي وقد استقبلتها الصحف الإنجليزية جميعها على عادتها
[ ١٢١ ]
استقبالًا حارًا علقت عليه بعض الصحف المصرية - في دهشة - بأنه استقبال لم يحدث له مثيل.
ثم اتجهت " الزعيمة " إلى " روما " بصحبة مندوبة إنكلترا ومندوبة إسرائيل " تبيهلا مانمون " وأثناء انعقاد المؤتمر اتصلت بوفد إسرائيل ورئيسته المذكورة طوال الأيام التي مكثتها هناك ونشرت الصحف الأوربية وبعض المجلات النسوية المصرية الصور الكثيرة التي بدت فيها الدكتورة " درية شفيق " في أحاديث هامة وأوضاع شتى مع هذه الإسرائيلية الخطيرة..
وأعلنت المندوبة الإسرائيلية المذكورة ارتياحها بالمندوبة المصرية بلندن ومصاحبتها لها إلى نابلي حيث قالت فيما نشرته الصحف الإيطالية والفرنسية:
(إنني أهنئ نفسي بهذا الاتصال الذي ربط بيني وبين السيدة " درية شفيق " وإنني أعلن لعضوات المؤتمر السادس عشر في نابلي أني عقدت أمالي على الزعيمة المصرية لحل جميع المشكلات بين البلدين: إسرائيل ومصر) .
وقد نشرت مجلة نسوية مصرية الصور المختلفة لدرية شفيق مع رئيسة وفد إسرائيل نقلًا عن الصحف الإيطالية كما نشرت صورة زنكوغرافية لمقال نشرته بعض الصحف الإسرائيلية الصادرة في " تل أبيب " باللغة العبرية وكانت صورة " درية شفيق " وهي تحادث مندوبة إسرائيل تزين (!) المقال المذكور وقد جاء في هذا المقال بعد ترجمته:
(إن تل أبيب تتوقع أن الحوادث المقبلة ستزيد مكانة"درية شفيق"شأنًا ورفعة) (٢٢٨) اهـ.
_________________
(١) نقلًا عن (الحركات النسائية في الشرق وصلتها بالاستعمار والصهيونية العالمية) تأليف محمد فهمي عبد الوهاب ص (٢٨ - ٥٠) باختصار.
[ ١٢٢ ]