وعن أبي أمامة، عن النبي - ﷺ - قال: "لَيْسَ شَيْءٌ أَحَب إِلَى الله منْ قَطْرَتَيْنِ وَأثريْنِ: قَطْرَةٌ مِنْ دُمُوع في خَشْيَةِ الله، وَقَطْرَةُ دَمٍ تُهْرَاقُ في سَبيلِ الله، وأما الأثرَانِ: فَأَثر في سبِيلِ الله، وَأَثَر في فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ الله الله" (١).
وعن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: "سَبْعَة يُظِلُّهمُ اللهُ في ظِلَّه يَوْمَ لاَ ظِل إلَّا ظِلُّهُ: الإمَامُ العَادِلُ، وَشَاب نَشَأَ في عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في المَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تحُابَّا في اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُل طَلبتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمال فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجل تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتى لَا تَعْلَمَ شِمَاله مَا تُنْفِقُ يَمِينه، وَرَجُل ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْناهُ" (٢).
وعن عبد الله بن عبيدة، أن نفرًا اجتمعوا في حجرة صفية بنت حُيي زوج النبي - ﷺ -، فذكروا الله وتلوا القرآن وسجدوا، فنادتهم صفية: هذا السجود وتلاوة القرآن، فأين البكاء؟ (٣).
_________________
(١) رواه الترمذي (١٦٣٩)، وحسنه في "تحقيق المشكاة" رقم (٣٨٣٧).
(٢) رواه البخاري (٢/ ١٤٣)، ومسلم رقم (١٠٣١).
(٣) "حلية الأولياء" (٢/ ٥٥).
[ ٧ ]
ولما اشتد مرض رسول الل - ﷺ - قال: "مُروا أبا يكر فليصلّ بالناس، قالت عائشة: "إن أبا بكر رجل رقيق، إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه" وفي رواية: "إنه رجل أسيف (١)، إذأ قرأ مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس، ولم يُسمع الناسَ من البكاء" (٢) الحديث.
وفي خبر ابن الدُّغُنَّةِ: "أن أبا بكر ابتنى مسجدًا بفناء دار ابن الدغنة، وكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن، فيتقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، وهم يعجبون منه، وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكَّاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن" انتهى محل الشاهد منه (٣).
وقال علقمة بن وقاص: (صليت خلف عمر بن الخطاب فقرأ سورة يوسف، فكان إذا أتى على ذكر
_________________
(١) أسيف: رقيق القلب، بكاء.
(٢) رواه الإمام أحمد (٦/ ٢١٠)، والبخاري رقم (٦٧٨، ٦٧٩، ٣٣٨٥)، ومسلم رقم (٤١٨)، والنسائي (٢/ ٩٩).
(٣) رواه الإمام أحمد (٦/ ١٩٨)، والبخاري برقم (٣٩٠٥).
[ ٨ ]
يوسف سمعت نشيجه من وراء الصفوف" (١).
وقال القاسم بن محمد: "كنت إذا غدوت أبدأ ببيت عائشة فأسلِّم عليها، فغدوت يومًا فإذا هي قائمة تُسَبِّح (٢)، وتقرأ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧] وتدعو، وتبكي، وترددها، فقمت حتى مللت القيام، فذهبت إلى السوق لحاجتي، ثم رجعت، فإذا هي قائمة تصلي وتبكي" (٣).
وعن مسروق قال: قال رجل من أهل مكة: هذا مقام تميم الداري، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو قُرب أن يُصبح، يقرأ آية من كتاب الله، ويركع، ويسجد، ويبكي: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (٤) [الجاثية:٢١].
وقال بشير: "بِتُّ عند الربيع بن خثيم ذات ليلة، فقام
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٤/ ٨).
(٢) أي: تصلى.
(٣) "السمط الثمين" ص (٩٠).
(٤) "الإصابة" لابن حجر (١/ ١٨٤)، وصحح إسناده الى مسروق.
[ ٩ ]
يصلي، فمر بهذه الآية، فمكث ليلته حتى أصبح، ما جاوز هذه الآية إلى غيرها ببكاء شديد" (١).
وقال إبراهيم بن الأشعث: كثيرا ما رأيت الفضيل بن عياض يردد من أول الليل إلى آخره هذه الآية ونظيرها، ثم يقول: "ليت شعري! من أي الفريقين أنت؟ " (٢).
قال القرطبي ﵀: "وكانت هذه الآية تسمى مَبْكاةَ العابدين، لأنها محكمة" (٣).
وعن الحسن قال: "لم يزل الناس على ذلك، يبكون عند الذكر وقراءة القرآن" (٤).
وروى خالد بن مَعْدَان، عن كعب الأحبار قال: "لَأن أبكيَ من خشية الله أحب إليَّ من أن أتصدق بوزني ذهبًا" (٥).
_________________
(١) "حلية الأولياء" (٢/ ١١٢).
(٢) "الجامع لأحكام القرآن" (١٦/ ١٦٦).
(٣) "السابق".
(٤) "الرقة والبكاء" لابن أبي الدنيا رقم (١٠١).
(٥) "سير أعلام النبلاء" (٣/ ٤٩٠).
[ ١٠ ]