وعن عبد الله بن مسعود قال: "ينبغي لحامل القرآن أن يُعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس يفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخلطون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكيًا محزونا، حكيما حليمًا، عليمًا سكيتًا، ولا ينبغي لحامل القرآن أن يكون جافيًا، ولا غافلًا، ولا صَخَّابًا ولا صيَّاحًا، ولا حديدًا" (١).
وعن الحسن قال: "إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به جاره، وإن كان الرجل لقد فَقُهَ الفقهَ الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزَّوْرُ (٢) وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقوامًا ما كان على ظهر الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في سر فيكون علانية أبدًا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم ﷿،
_________________
(١) "مصنف ابن أبي شيبة" (٧/ ٢٣١) رقم (٣٥٥٧٣)، و"حلية الأولياء" (١/ ١٣٠)
(٢) الزَّوْر: جمع زائر.
[ ١١ ]
ذلك أن الله تعالى ﷿ يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف:٥٥]، وذلك أن الله تعالى ذكر عبدًا صالحًا، ورضي قوله، فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم:٣] (١).
وكان حسان بن أبي سنان يحضر مجلس مالك بن دينار، فإذا تكلم مالك بكى حسان حتى يبل ما بين يديه، لا يُسمع له صوت (٢).
وعن القاسم بن محمد قال: كنا نسافر مع ابن المبارك فكثيرًا ما كان يخطر ببالي، فاقول في نفسي: "بأي شيء فُضِّل هذا الرجل علينا حتى اشتهر في الناس هذه الشهرة: إن كان يصلي إنا لنصلي، وإن كان يصوم إنا لنصوم، وإن كان يغزو فإنا لنغزو، وإن كان يحج إنا لنحج؟!
قال: فكنا في بعض مسيرنا في طريق الشام ليلة نتعشى في بيت، إذ طفئ السراج، فقام بعضنا فأخذ السراج، وخرج يستصبح، فمكث هنيهة ثم جاء بالسراج، فنظرت إلى وجه
_________________
(١) "الزهد والرقائق" لابن المبارك رقم (١٤٠).
(٢) "صفة الصفوة" (٣/ ٣٣٩).
[ ١٢ ]
ابن المبارك ولحيته قد ابتلت من الدموع، فقلت في نفسي: "بهذه الخشية فُضِّلَ هذا الرجل علينا، ولعله حين فقد السراج، فصار إلى ظلمة؛ ذكر القيامة" (١).
وعن عاصم قال: كان أبو وائل إذا صلى في بيته نشج (٢) نشيجًا، ولو جُعلت له الدنيا على أن يفعله وأحد يراه ما فعله، وقد كان أيوبُ السَّخْتِياني إذا غلبه البكاء قام (٣).
وقال خادم الأمام محمد بن أسلم الطوسي: "سمعته يحلف كذا وكذا مرة أن لو قدرت أن أتطوع حيث لا يراني ملكاي لفعلت، ولكن لا أستطيع ذلك" (٤).
وكان إبراهيم التيمي يقول: "المخلص من يكتم حسناته كما يكتم سيئاته" (٥).
وقال الحسن البصري: "إن كان الرجل ليجلس
_________________
(١) "صفة الصفوة" (٤/ ١٢١).
(٢) نشج الباكي نشجًا ونشيجًا: تردد البكاء في صدره من غير انتحاب.
(٣) "تلبيس إبليس" ص (٢٠٢).
(٤) "حلية الأولياء" (٩/ ٢٤٣).
(٥) "تنبيه المغتربين" ص (٢٧).
[ ١٣ ]