١ - أنه اختُلِفَ في رفعه ووقفه، والأقرب وقفه، فقد رواه ثلاثة من الحفاظ (٢) عن ابن عيينة به موقوفًا من كلام حذيفة.
_________________
(١) = قال: "مسجد جماعة" ذكره ابن حزم في "المحلى" (٥/ ١٩٥)، ثم قال: "قلنا: هذا شك من حذيفة أو ممن دونه، ولا يُقطع على رسول الله - ﷺ - بشك، ولو أنه -﵇- قال: "لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة" لحفظه الله تعالى علينا، ولم يدخل فيه شك، فصحَّ يقينًا أنه -﵇- لم يقله" اهـ. من "المحلى" (٥/ ١٩٥ - ١٩٦). وقال الشوكاني ﵀: "وأيضًا الشك الواقع في الحديث مما يُضعف الاحتجاج باحد شِقَّيْه" اهـ. من "نيل الأوطار" (٤/ ٣٦٠).
(٢) رواه الطحاوي في "مشكل الآثار" (٤/ ٢٠)، وأخرجه البيهقي (٤/ ٣١٦)، وانظر: "سير أعلام النبلاء" (١٥/ ٨١).
(٣) وهم: عبد الرزاق الصنعاني في "المصنف" (٤/ ٣٤٨)، وسعيد بن عبد الرحمن بن حسان المخزومي، وهو ثقة كما في "التقريب" (٢٣٤٨)، ومحمد بن أبى عمر العدني، وهو صدوق.
[ ٦٦ ]
٢ - أن ابن مسعود لم يقبل رواية حذيفة، بل رَدَّها، وهذا لا يمكن أن يصدر منه لو علم رفع الحديث إلى النبي - ﷺ -، فدل على أن حذيفة قال ذلك اجتهادًا تفرد به (١).
٣ - يحتمل أن حذيفة أخطأ في رواية الحديث، فاشتبه عليه لفظ: "لا تشد الرحال .. " الحديث (٢)، ومن ثم قال له ابن مسعود: "لعلك نسيتَ وحفظوا، أو أخطأت فأصابوا".
وبفرض صحة حديث حذيفة يجاب عنه:
أولًا: بأنه منسوخ، ولذا قال الإمام أبو جعفر الطحاوي ﵀:
_________________
(١) ومن هنا قال الشوكاني ﵀ معلقًا على قول ابن مسعود: "فلعلهم أصابوا وأخطات": "فهذا يدل على أنه لم يستدل على ذلك بحديثٍ عن النبي - ﷺ -، وعلى أن عبد الله يخالفه، ويُجوِّز الاعتكاف في كل مسجد، ولو كان ثَمَّ حديث عن النبي - ﷺ - ما خالفه" اهـ. من "نيل الأوطار" (٤/ ٣٦٠).
(٢) وقد قال الخطايى في "معالم السنن": "إن بعض أهل العلم استنبط من حديث النهي عن شد الرحال أن الاعتكاف لا يصح إلا في المساجد الثلاثة" اهـ. (٢/ ٢٢٢).
[ ٦٧ ]
"فتأملنا هذا الحديث فوجدنا فيه إخبار حذيفة لابن مسعود أنه قد علم ما ذكره له عن النبي - ﷺ -، وتَرْكَ ابن مسعود إنكارَ ذلك، وجوابَه إياه بما أجابه في ذلك من قوله لهم:
"حفظوا" أي: قد نُسخ ما قد ذكرته من ذلك، "وأصابوا" فيما قد فعلوا، وكان ظاهرُ القرآن على ذلك، وهو قول الله ﷿: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، فعمَّ المساجد كلَّها بذلك، وكان المسلمون عليه في مساجد بُلدانهم" (١) اهـ.
ثانيا: أنه محمول على بيان الأفضلية، قال الكاساني ﵀: "فأفضل الاعتكاف أن يكون في المسجد الحرام، ثم مسجد المدينة، ثم في المسجد الأقصى، ثم في المساجد العظام التي كثرُ أهلها" (٢) اهـ.
والحاصل: أن مذهب حذيفة غريب مهجور (٣) مخالف
_________________
(١) "مشكل الآثار" (٤/ ٢٠).
(٢) "بدائع الصنائع" (٢/ ١١٣).
(٣) ومثله مذهب عطاء الذي خصَّه بمسجِدَيْ مكة والمدينة، وابن المسيب بمسجد المدينة.
[ ٦٨ ]