استحباب البكاء عند تلاوة القرآن المجيد
قال الله تعالى في سياق الثناء على الأنبياء ﵈: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم:٥٨].
وعن عبد الأعلى التيمي قال: "إن مَن أوتيَ من العلم ما لم يُبكِه لخليق أن لا يكون أوتي علمًا ينفعه، لأن الله نعت العلماء
فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩] (١).
ويروَى عن ابن عباس - ﵁ - قال: "إذا قرأتم سجدة ﴿سُبْحَان﴾ (٢) فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا، فإن لم تبكِ عينُ أحدِكم؛ فليبك قلبه" (٣).
_________________
(١) "جامع البيان" للطبري (٨/ ١٦٥).
(٢) أي التي في سورة الإسراء.
(٣) "الإحياء" (١/ ٥٠٢).
[ ٤ ]
وقال تعالى منكرًا على المشركين: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ (١) [النجم:٥٩ - ٦١].
وعن عبد الله بن الشخير - ﵁ - قال: أتيت رسول الله - ﷺ - وهو يصلِي، وفي صدره أزيز كازيز المرجل من البكاء" (٢).
وعن عطاء قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة - ﵂ - فقال عبيد بن عمير: حدثينا بأعجب شيء رأيتيه من رسول الله - ﷺ -، فبكت، وقالت: قام ليلة من الليالي، فقال: "يا عائشة ذررني أتعبد لربي"، قالت: قلت: والله إني لأحب قربك، وأحب ما يسرك، قالت، فقام فتطهر، ثم قام يصلي، فلم يزل يبكي حتى بل حِجره، ثم بكى، فلم يزل يبكي حتى بلَّ الأرض، وجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي، قال: يا رسول الله تبكي، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما
_________________
(١) سامدون: غافلون لاهون عنه، وعن تدبره.
(٢) روأه أبو داود رقم (٩٠٤)، والترمذي في "الشمائل" رقم (٢٧٦) ص (١٦٩)، والنسائي (٣/ ١٣)، وصححه النووي، وأزيز المرجل: غليانه.
[ ٥ ]
تأخر؟ قال "أفلا أكون عبدًا شكورًا، لقد نزلت الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (١) الآيات [آل عمران: ١٩٠].
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لَا يَلِجُ النَّارَ رَجُل بَكَى مِنْ خَشْيِةِ الله حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ في الضَّرْعِ، وِلاَ يَجْتَمعُ غُبَار في سَبِيلِ الله وَدُخَانُ جَهَنمَ" (٢).
وعن أبن عباس قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "عَيْنَانِ لَا تَمسُهُمَا (٣) النَّارُ: عَيْن بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَعَينٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ في سَبِيلِ اللهِ" (٤).
_________________
(١) صححه الألباني في "الصحيحة"، وعزاه الى أبي الشيخ، وأبن حبان في "صحيحه".
(٢) رواه الترمذي (٢٣١١)، وقال: "حسن صحيح"، والنسائي (٦/ ١٢)، والحاكم (٤/ ٢٦٠)، وصححه، ووا فقه الذهبي، وصححه الألباني في "تحقيق المشكاة" رقم (٣٨٢٨).
(٣) قال في "تحفة الأحوذي": (قوله: "عينان لا تمسهما النار" أي: لا تمس صاحبهما، فعبرَّ بالجزء عن الجملة، وعبر بالمس إشارة إلى امتناع ما فوقه بالأولى) اهـ. (٥/ ٢٦٩).
(٤) رواه الترمذي (١٦٣٩)، وحسنه الحافظ في "الفتح" (٦/ ٨٣).
[ ٦ ]