قال ابن الجوزي: "إن أول الوَجْدِ انزعاج في الباطن، فإن كَفَّ الإنسانُ نفسَه كي لا يُطَّلَعَ على حاله يئس الشيطان منه، فبعد عنه، كما كان أيوب السختياني إذا تحدث فرقَّ قلبه مسح أنفه، وقال: "ما أشد الزكام! "، وإن أهمل الإنسان نفسه، ولم يبال بظهور وجده، أو أحب اطلاع الناس على نفسه نفخ فيه الشيطان، فانزعج على قدر نفخه"، ثم روى ابن الجوزي بسنده إلى ابن أخي زينب، عن امرأة عبد الله قالت: جاء عبد الله ذات يومٍ وعندي عجوز ترقيني من الحُمْرَةِ، فادخلتُها تحت السرير، قالت: فدخل فجلس إلى جنبي، فرأى في عنقي خيطًا، فقال: "ما هذا الخيط؟ " قلت: "خيط رُقي لي فيه رقية"، فأخذه، وقطعه، ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إن في الرقى والتمائم والتِّوَلَةِ (١) شِرْكًا"، قالت: فقلت له: لم تقول هذا، وقد كانت عيني تقذف، وكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيها، فكان إذا رقاها سكنت، قال: إنما ذاك من عمل الشيطان، كان ينخسها
_________________
(١) التولة: ضرب من السحر، يحبب المرأة إلى زوجها.
[ ٢٤ ]
بيده، فإذا رقيتِها كفَّ عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما قال رسول الل - ﷺ -: "أذهب الباس ربَّ الناس، اشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما" (١) اهـ. (٢)
كانت قلوب الصحابة أصفى القلوب، وما كانوا يزيدون عند الوجد على البكاء والخشوع:
عن حصين بن عبد الرحمن، قال: قلت لأسماء بنت أبي بكر: كيف كان أصحاب رسول الله - ﷺ - عند قراءة القرآن؟ قالت: كانوا كما ذكرهم الله، أو كما وصفهم ﷿: تدمع عيونهم، وتقشعر جلودهم، فقلت لها: إن ههنا رجالًا إذا قرئ على أحدهم القرآن غشي عليه، فقالت: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" (٣).
وعن أبي عيسى قال: ذهبت إلى عبد الله بن عمر، فقال
_________________
(١) "تلبيس إبليس" ص (٣٦٣).
(٢) رواه الإمام أحمد (١/ ٣٨١)، وأبو داود (٣٨٨٣)، وابن ماجه (٣٥٣٠)، والحاكم (٤/ ٤١٧ - ٤١٨)، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في "الصحيحة" رقم (٣٣١).
(٣) "السابق" ص (٣٥٩).
[ ٢٥ ]
أبو السوار: يا أبا عبد الرحمن إن قومًا عندنا إذا قرئ عليهم القرآن يركض أحدهم من خشية الله، قال: كذبت، قال: بلى وربِّ هذه البَنِيَّةِ (١)، قال: "ويحك إن كنت صادقًا، فإن الشيطان ليدخل جوف أحدهم، والله ما هكذا كان أصحاب محمد" (٢).
وعن عبد الكريم بن. رشيد قال: كنت في حَلْقَةِ الحسن، فجعل رجل يبكي، وارتفع صوته، فقال الحسن: "إن الشيطان ليُبكي هذا الآن" (٣).
فإن قال قائل: فنفرض أن الكلام فيمن اجتهد في دفع الوجد، فلم يقدر عليه، وغَلَبَه الأمر، فمِن أين يدخل الشيطان؟
فالجواب: أنا لا ننكر ضعف بعض الطباع عن الدفع، إلا أن علامة الصادق أنه لا يقدر على أن يدفع، ولا يدري ما
_________________
(١) أي الكعبة المشرفة، وكانت تُدعى بَنِيَّةَ إبراهيم ﵇، لأنه بناها، وقد كثر قَسَمُهم بربِّ هذه البنية.
(٢) "السابق" ص (٣٦٤).
(٣) "السابق" ص (٣٦٢).
[ ٢٦ ]
يجري عليه، فهو من جنس قوله ﷿: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣].
فإن قيل: فهل في حق المخلص نقص بهذه الحالة الطارئة عليه؟
قيل: نعم، من وجهين:
أحدِهما: أنه لو قوي العلمُ أمسك.
والثاني: أنه قد خولف به طريق الصحابة والتابعين، ويكفي هذا نقصًا" (١).
_________________
(١) "السابق" ص (٣٦٤ - ٣٦٥).
[ ٢٧ ]