استطاع، وإذا كان وحده فليبكِ ما شاء، لكن لا يُحَدِّث به بعد. ولقد رأيت من الأئمة من يتجهز للبكاء قبل الصلاة! ورأيت من يُقَدِّم الإمام إلى الصلاة، ويقول له: ابكِ يا شيخ!
ورأيت من يبكى أثناء الفاتحة في الركعة الأولى؟! بل إن بعضهم لتخرج منه تكبيرة الإحرام مخنوقة من البكاء!
ما هكذا كان السلف! كانوا يبكون في مواضع البكاء، ويبكون غلبة لا تصنعًا، ويبكون لِما تحدثه الآيات في قلوبهم من الخشوع والرقة، لا يبكون رياء وسمعة.
ولقد رأيت من لا تكاد تفهم قراءته لكثرة بكائه. والله لو كان هذا غلبة لعذرناه إذا أحسن قراءة الفاتحة، لكن هو التكلف!
إنه ليبكي إذا قرأ آياتِ الوعيد، ويبكي إذا قرأ آيات الرجاء، ويبكي إذا قرأ آياتِ الطلاق، ويبكي إذا قرأ آياتِ الميراث! (١).
_________________
(١) لا عجب في أن يبكي القارئ من كل آي القرآن الكريم خشوعا=
[ ٢٢ ]
إن هذا يذكرني بحكاية هي كالطرفة، رأيتها في "أخبار الحمقى" لابن الجوزي، قال ﵀: عن أبي عثمان الجاحظ قال: أخبرني يحيى بن جعفر قال: كان لي جار من أهل فارس، وكان طَوَالَ الليل يبكي، فأنبهني ذات ليلة بكاؤه ونحيبه، وهو يشهق، ويضرب على رأسه وصدره، وُيردد آية من كتاب الله تعالى، فلما رأيت ما نزل به؛ قلت: لأسمعن هذه الآية التي قَتَلَتْ هذا، وأذهَبَتْ نومي، فتسمَّعْتُ عليه، فإذا الآية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ اهـ.
وصليت مرة خلف بعضهم فناح طوال الصلاة، وبعض من خلفه يبكون، ويتكلمون بالدعاء والنياحة والتأوهات في الصلاة وأثناء القراءة!! ويخرجون المناديل من جيوبهم، ويمسحون وجوههم، ويتحركون هكذا وهكذا.] (١) اهـ.
_________________
(١) = وتعظيمًا لأنه كلام الله تعالى، وإنما النكير على المرائي ببكائه أيًا كان موضوع الآيات الكريمة.
(٢) بتصرف من كتاب "دموع القراء" لمؤلفه محمد شومان الرملي ص (٨ - ١١)
[ ٢٣ ]