يرسل الدعاء بسجيته، وصوته المعتاد (١)، بضراعة وابتهال،
_________________
(١) تنبيه: ليس من التغني المذموم قراءة الأدعية المأثورة عن النبي - ﷺ - مجُودة بلا تكلف ولا تنطع، قال العلامة عطية الأجهوري -رحمه الله تعالى- في "حاشيته على شرح الزرقاني على البيقونية": [فإئدة: قال الإمام محمد بن محمد البديري الدمياطي في آخر شرحه لهذه المنظومة المباركة ما نصه: "وأما قراءة الحديث مجودة كتجويد القرآن من أحكام النون الساكنة والتنوين، والمد والقصر، وغير ذلك؛ فهي مندوبة كما صرح به بعضهم، لكن سألت شيخي خاتمة المحققين الشيخ على الشبراملسي -تغمده الله تعالى بالرحمة- حالة قراءتي عليه صحيح الإمام البخاري عن ذلك؛ فاجابني بالوجوب، وذكر لي أنه رأى ذلك منقولا في كتاب يُقال له: (الأقوال الشارحة في تفسير الفاتحة)، وعلل الشيخ حينئذ ذلك بأن التجويد من محاسن الكلام، ومن لغة العرب، ومن فصاحة المتكلم، وهذه المعاني مجموعة فيه - ﷺ -، فمن تكلم بحديثه - ﷺ - فعليه مراعاة ما نطق به - ﷺ -"] اهـ. ص (٨٤). وقال القاسمي -رحمه الله تعالى- في "قواعد التحديث": "ولا يخفى أن التجويد من مقتضيات اللغة العربية، لأنه من صفاتها الذاتية، لأن العرب لم تنطق بكلمها إلا مُجَوَّدة، فمن نطق بها غير مجودة، فكأنه لم ينطق بها، فما هو في الحقيقة من محاسن الكلام، بل من الذاتيات له، فهو إذن من طبيعة اللغة، لذلك مَنْ تركه لقد وقع في اللحن الجلي، لأن العرب لا تعرف الكلام إلا مُجودًا" اهـ. منه ص (٢٣٨).
[ ٤٩ ]
متجنبًا التقعر، والتكلف، والتلحين، والتطريب، والتمطيط في أداء الدعاء، قال الكمال بن الهمام الحنفي رحمه الله تعالى: "ما تعارفه الناس في هذه الأزمان، من التمطيط، والمبالغة في الصياح، والاشتغال بتحريرات النغم -يعنى في الدعاء- إظهارا للصناعة النغمية، لا إقامة للعبودية، فإنه لا يقتضي الإجابة بل هو من مقتضيات الرد" (١) اهـ.
قال الله سبحانه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]، قال عبد الملك بن جريج في تفسيرها: "من الاعتداء: رفع الصوت، والنداء في الدعاء، والصياح، وكانوا يؤمرون بالتضرع والاستكانة" (٢).
وعن عبد الله بن مغفل أنه سمع ابنه يقول: "اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتُها"، فقال: أَيْ بُنَيَّ، سل الله الجنة، وتعوذ به من النار، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في
_________________
(١) انظر: "فتح القدير" له (١/ ٢٦١ - ٢٦٣).
(٢) "تفسير البغوي" (٢/ ١٦٦)، و"تفسير القرطبي" (٨/ ٢٠٧).
[ ٥٠ ]
الطُّهور والدعاء" (١).
وعن أم المؤمنين عائشة قالت: "كان رسول الل - ﷺ - يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك" (٢).
وقال ابن سعد بن أبي وقاص: "سمعني أبي، وأنا أقول: اللهم إني أسألك الجنة، ونعيمها، وبهجتها، وكذا، وكذا، وأعوذ بك من النار، وسلاسلها، وأغلالها، وكذا وكذا، فقال: يا بني إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "سيكون قوم يعتدون في الدعاء"، فإياك أن تكون منهم، إن أُعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أُعِذْتَ من النار إُعِذتَ منها وما فيها من الشر" (٣).
ومثل هذا الاعتداء تكثير الكلام الذي لا حاجة إليه، مثل
_________________
(١) رواه الإمام أحمد (٤/ ٨٧)، وأبو داود (١/ ١٦٩) رقم (٩٦)، وابن ماجه (٢/ ١٢٧١) رقم (٣٨٦٤)، وصححه الألباني في "الإرواء" (١/ ١٧١).
(٢) رواه الإمام أحمد (٦/ ١٨٩)، وأبو داود (٢/ ١٦٢)، وابن حبان رقم (٢٤١٢) ص (٥٩٨) - موارد، والحاكم (١/ ٥٣٩)، وصححه، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (٤/ ٢٦٤).
(٣) رواه الإمام أحمد (١/ ١٨٣)، وأبو داود (٢/ ١٦١) رقم (١٤٨٠)، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (٣/ ٢١٨).
[ ٥١ ]
ما يزيده البعض على الحديث الضعيف: "اللهم لا تدع لنا ذنبًا إلا غفرته" (١) إلخ، من قولهم: "ولا مريضًا إلا شفيته، ولا دَيْنًا إلا قضيته، ولا غائبًا إلا رددته، ولا طالبًا إلا نجَّحته، ولا ضالا إلا هديته، ولا مظلوما إلا نصرته، ولا مسجونا إلا أطلقته، .. " وهكذا على هذا الرَّوِيِّ بصورة متعنتة تورث الفتور والملل، ويقوم مقامَها سؤالُ العفوِ والعافية، وبينما الإمام في حالٍ من الانبساط بهذا الإيقاع المتكلف؛ ترى المامومين في غاية التحرج والانزعاج، وهذا شؤم مخالفة الهدي النبوي.
*على الإمام أن يبادر بالدعاء مباشرة بعد قوله "ربنا لك الحمد"، فعن أبي هريرة أن رسول الل - ﷺ - كان إذا رفع رأسه من الركعة الأخرة يقول: "اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة (٢) " إلخ.
_________________
(١) والحديث بأصله ضعيف، (وهو دعاء حسن لا يظهر فيه محظور، لكن يحصل الغلط من جهات هي: هجر الصحيح، والتزام ما لم يصح، والزيادة فيه بلفظ محتمل، وهو: "في مقامنا هذا" فيحتمل أن يكون شرطًا على الله فهو باطل، ثم الزيادة بسجعاتٍ أضعافها) اهـ. من "تصحيح الدعاء" ص (٤٧٢).
(٢) وكان هذا في قنوت النازلة، فهو مناسب لها، ومن خَلْطِ وخَبط كثير من الناس أنهم يقولون في قنوت النوازل: "اللهم اهدني فيمن هديت .. " إلخ، ولا شك أن هذا الدعاء لا يتناسب. وحالَ النازلة، بل هذا الدعاء محله =
[ ٥٢ ]
وعنه قال: "كان رسول الل - ﷺ - يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة، ويكبر، ويرفع رأسه "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد"، ثم يقول وهو قائم: "اللهم أنج الوليد بن الوليد .. " إلخ.
وإذا تأملنا صيغة القنوت التي علَّمها النبي - ﷺ - سِبْطَه الحسنَ، وجدناها تبدأ بقوله: "اللهم اهدنا .. "، وفى قنوت عمر: "اللهم إنا نستعينك .. " إلخ.
فما يفعله بعض الأئمة من البُداءة ببعض المحامد الطويلة يستفتح بها دعاء القنوت في الوتر، ويتمادى في ذكرها بأسلوب يخرج به عن الأسلوب الأنشائي الطلبي المناسب لمقام الدعاء إلى الأسلوب الخبري المناسب لمقام الوعظ والترغيب والترهيب، الأمر الذي جعل البعض يخشى بطلانَ الصلاة، لاحتمال أن يكون له حكم الكلام المتعمد الذي لا يُشرع في الصلاة.
_________________
(١) = قنوت الوتر فقط، ولا ينبغي أن يزاد عليه شيء" اهـ. من "أخطاء المصلين" للشيخ مشهور حسن ص (١٣٨)، وانظر: "زاد المعاد" (١/ ٢٧٧).
[ ٥٣ ]