وقال الماوردي في "الحاوي الكبير":
"والمروي عن النبي - ﷺ - في القنوت أحب إلينا من غيره، وأي شيء قنت من الدعاء المأثور وغيره أجزأه عن قنوته" (١) اهـ.
فإذا دعا بالمأثور فلا يجوز له تبديل لفظه ولا تغييره بزيادة أو نقصان، لما روى البراء بن عازب أن النبي - ﷺ - علَّمه دعاءً يقوله عند النوم، وفيه: "اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت" الحديث، وفيه: "فرددتها على النبي - ﷺ -، فلما بلغت: "اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت" قلت:
"ورسولك"، قال "لا: ونبيك الذي أرسلت" متفق عليه.
ومثال الزيادة: ما يحصل من قول بعضهم: "اللهم أهدنا بفضلك يا مولانا فيمن هديت" الخ.
وقد أحدث البعضُ زياداتٍ على الماثور، واظبوا عليها حتى توهم العوام أنها راتبة من السنة كقولهم:
"فلك الحمد على ما قضيت، ولك الشكر على ما أنعمت به علينا وأوليت"،
_________________
(١) "الحاوي الكبير" (٢/ ٢٠٠).
[ ٤٦ ]
وقولهم: "اللهم يا واصل المنقطعين أوصلنا إليك"، "اللهم هب لنا عملًا صالحا يقربنا إليك".
*على الإمام أن يتجنب الأدعية المحدثة التي لا أصل لها، والتي يتصيدها البعض تصيدًا من كتب الصوفية وغيرهم، ثم يلتزمها، ويهجر الأدعية النبوية.
قال القاضي عياض ﵀: "وقد احتال الشيطان للناس من هذا المقام، فقيَّض لهم قوم سوء، يخترعون لهم أدعية يشتغلون بها عن الاقتداء بالنبي - ﷺ -، وأشد ما في الحال أنهم ينسبونها إلى الأنبياء والصالحين، فيقولون: (دعاء نوح، دعاء يونس، دعاء أبي بكر الصديق)، فاتقوا الله في أنفسكم، لا تشتغلوا من الحديث إلا بالصحيح" اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-:
"لا ريب أن الأذكار والدعوات من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على التوقيف والاتباع، لا على الهوى والابتداع، فالأدعية والأذكار النبوية هي أفضل ما يتحراه المتحرِّى من الذكر والدعاء، وسالكُها على سبيل أمانٍ وسلامة، والفوائد التي تحصل بها لا يعبِّر عنها لسان، ولا
[ ٤٧ ]
يحيط بها إنسان وليس لأحد أن يَسُنَّ للناس نوعًا من الأذكار والأدعية غير المسنون، ويجعلها عبادة راتبة، يواظب الناس عليها، كما يواظبون على الصلوات الخمس، بل هذا ابتداع دين لم يأذن الله به" اهـ.
وقال أيضًا: "وأما اتخاذ وِرْدٍ غير شرعي، واستنان ذكر غير شرعي، فهذا مما يُنْهى عنه، ومع هذا، ففي الأدعية الشرعية، والأذكار الشرعية غايةُ المطالب الصحيحة، ونهايةُ المقاصد العلية، ولا يَعدِل عنها الى غيرها من الأذكار المحدثة المبتدعة إلا جاهل، أو مفرط، أو متعدٍّ" (١) اهـ.
ومما يُستنكرعلى الأئمة في هذا الزمان:
أنتقاء الأدعية المليئة بالتشقيق في العبارة، والاستطراد في ذكر أمور تفصيلية من أحوال الموت والبعث والنشور، لتحريك عواطف المأمومين، وإزعاج جوارحهم، وانفجارهم في البكاء والشهيق، والصراخ، وربما بطلت صلاة بعضهم وهو لا يشعر، فعلى الإمام أن يجتهد في تصحيح نيته، وأن
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (٢٢/ ٥١٠).
[ ٤٨ ]