المجلس، فتجيئه عَبْرتُه فيردها، فإذا خشي أن تسبقه قام" (١).
قال القرطبي رحمه الله تعالى عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة - ٨٣].
"وهذه أحوال العلماء يبكون ولا يصعقون، ويسألون ولا يصيحون، ويتحازنون ولا يتماوتون، كما قال تعالى: (اللَّهُ نَزّلَ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [الزمر:٢٣]، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] " (٢).
وقال في تفسير آية الأنفال هذه: "وصف الله تعالى المؤمنين في هذه الآية بالخوف والوجل عند ذكره، وذلك لقوة إيمانهم ومراعاتهم لربهم، وكأنهم بين يديه، ونظير هذه الآية: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾
_________________
(١) "الزهد" للإمام أحمد ص (٢٦٢).
(٢) "الجامع لأحكام القرآن" (٦/ ٢٥٨ - ٢٥٩).
[ ١٤ ]
وقال: ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾، فهذا يرجع الى كمال المعرفة وثقة القلب، والوَجَل: الفزع من عذاب الله، فلا تناقض.
وقد جمع الله بين المعنيين في قوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: تسكن نفوسهم من حيث اليقين إلى الله، وإن كانوا يخافون الله، فهذه حالة العارفين بالله، الخائفين من سطوته وعقوبته؟ لا كما يفعله جهال العوامِّ، والمبتدِعَةُ الطَّغام (١) من الزَّعيق والزئير، ومن النُّهاق الذي يشبه نُهاق الحمير.
فيقال لمن تعاطى ذلك، وزعم أن ذلك وَجْدٌ وخشوع: لم تبلغ أن تساوي حالَ الرسول - ﷺ - ولا حال أصحابه في المعرفة بالله، والخوف منه، والتعظيم لجلاله، ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ الفهم عن الله، والبكاء خوفًا من الله، ولذلك وصف الله أحوال أهل المعرفة عند سماع ذكره
_________________
(١) الطَّغام: أراذل الناس وأوغادهم.
[ ١٥ ]
وتلاوة كتابه، فقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة:٨٣]، فهذا وصف حالهم وحكاية مقالهم، ومن لم يكن كذلك فليس على هديهم، ولا على طريقتهم؛ فمن كان مستنًّا فليستَنَّ، ومن تعاطى أحوال المجانين والجنون فهو من أخسِّهم حالًا، والجنون فنون.
روى مسلم عن أنس بن مالك أن الناس سألوا النبي - ﷺ - حتى أحْفَوْهُ (١) في المسألة، فخرج ذات يوم فصعِد المنبر، فقال: "سلوني، لا تسالوني عن شيء إلا بينتُه لكم ما دمت في مقامي هذا"، فلما سمع ذلك القومُ أرَمُّوا (٢) ورهِبوا أن يكون بين يَدَيْ أمرٍ قد حضر، قال أنس: فجعلت ألتفت يمينا وشِمالا، فإذا كل إنسان لاف رأسَه في ثوبه يبكي، وذكر الحديث.
وروى الترمذي وصححه عن العرباض بن سارية
_________________
(١) أي: أكثروا عليه، وأحفى في السؤال، وألحف بمعنى أَلَحَّ.
(٢) أَرَمَّ الرجلُ إرمامًا: إذا سكت، فهو مُرِمٌ "النهاية" (٢/ ٢٦٧).
[ ١٦ ]