روي عن عمر أنه قال: "من تزين بما ليس فيه شانه الله" (١).
وحكى الأصمعي أن أعرابيا صلى فأطال، وإلى جانبه قوم، فقالوا: ما أحسن صلاتك! فقال: "وأنا مع ذلك صائم".
فقال أعرابي حاضر المجلس:
صلَّى فأعجبني، وصام فرابني نَحَّ القُلُوصَ عن المصلي الصائمِ (٢)
وقال ابن الجوزي أيضَا: "ومن أعجب ما رأيت فيهم أن رجلًا كان يصلي بالناس صلاة الصبح يوم الجمعة، ثم يلتفت فيقرأ المعوذتين، ويدعو بدعاء الختمة ليعلم الناس أني قد ختمت الختمة، وما هذه طريقة السلف، فإن السلف كانوا يسترون عبادتهم، وكان عمل الربيع بن خثيم كله سِرَّا، فربما دخل عليه الداخل وقد نشر المصحف، فيغطيه بثوبه، وكان أحمد بن حنبل يقرأ القرآن
_________________
(١) "تلخيص الحبير" (٢/ ١٩٦).
(٢) "أدب الدنيا والدين" ص (٩٥).
[ ٢٠ ]
كثيرًا، ولا يُدْرَى متى يختِم" (١).
تنبيه:
[البكاء عند تلاوة القرآن وسماعه ليس هو مقصودًا لذاته، ولا هو المراد في الأصل، إنما المقصود حضور القلب وتدبره لما يتلو ويسمع، فيُحْدِث له ذلك إيمانًا ويقينًا، ورغبة ورهبة، ومحبة وشوقًا، توجب له هذه الأمور خضوعًا وخشوعًا، وذلًا وانكسارًا، يصاحب ذلك رقة وبكاء.
فهذا البكاء يُمْدَح ويُثْنى على صاحبه، لا البكاء المجرد عن السبب الذي ذكرتُ، العاري عن الخشوع الذي وصفتُ، ولا البكاء المتكلَّف أو الذي يُراد به وجه الخلق.
ولقد رأيت كثيرا من القراء خاصة من أئمة المساجد يتصنعون البكاء، ويتكلفونه إلى الغاية، فتجد الواحد منهم يستجلب البكاء ويستخرجه من رأسه قَسْرًا، ضد ما كان عليه السلف ﵏: يكظمونه ويَرُدُّونه ما استطاعوا.
وينبغي للقارئ إذا كان مع الناس أن يُخفي بكاءه ما
_________________
(١) "تلبيس إبليس" ص (٢٠٣).
[ ٢١ ]