وتظن أنك وارث لَهُمُ وما ذقت الأذى في نصرة الرحمن
كلا ولا جاهدتَ حق جهاده في الله لا بِيَدٍ ولا بِلسان
منَّتْك والله المُحال النفسُ فاسـ ـتحدث سوى ذا الرأي والحسبان
لو كنتَ وارثه لآذاك الأُلى ورثوا عداه بسائر الألوان
وقد جاء وصف الغرباء في الأحاديث التي تقدم ذكرها في أول الكتاب بأنهم النّزّاع من القبائل، وأنهم الذين يصلحون إذا فسد الناس، وأنهم الذين يصلحون ما أفسد الناس من السنة، وأنهم الذين يتمسكون بالكتاب حين يُترك، ويعلمون بالسنة حين تطفأ، وأنهم قوم صالحون قليل في ناس سوء كثير، مَن يعصيهم أكثر ممن يطيعهم، ومَن يبغضهم أكثر ممن يحبهم، وأنهم الفرّارون بدينهم من الفتن.
قال أبو عبيد الهروي: النُّزَّاع: جمع نازع ونزيع، وهو الذي نزع عن أهله وعشيرته أي بَعُد وغاب. انتهى.
وهذا التفسير من حيث المعنى اللغوي، والمراد بما في الحديث شيء آخر، وذلك أن الغربة نوعان: حسية ومعنوية.
فالحسية: مفارقة الأهل والعشيرة والأوطان، والنزوع منها إلى غيره كما قاله الهروي.
والمعنوية: مفارقة الأهل والعشيرة وأهل الوطن في الدين، ومباعدة ما هم عليه، حتى يكون بينهم كأنه غريب لا يألفهم ولا يألفونه.
والدليل على ذلك أن النبي - ﷺ - وأصحابه كانوا بمكة غرباء وهم بين عشائرهم وقبائلهم، ولما هاجروا إلى المدينة وسكنوا مع إخوانهم في
[ ١ / ١٢٧ ]
الدين زالت تلك الغربة عنهم مع مفارقتهم للعشائر والأوطان، وعادت على المنافقين، فكانوا هم الغرباء بين المسلمين، وإن كانوا بين أهليهم وعشائرهم، فالغربة المعنوية: حقيقتها قلة الشكل كما قال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى:
وما غربة الإنسان في شقة النوى ولكنها والله في عدم الشكل
وإني غريب بين بست وأهلها وإن كان فيها أسرتي وبها أهلي
وقال أيضا:
وليس اغترابي عن سجستان أنني عدمت بها الإخوان والدار والأهلا
ولكنني ما لي بها من مُشاكل وإن الغريب الفرد من يعدم الشكلا
وقال محمد بن إسماعيل الصنعاني رحمه الله تعالى:
وهذا اغتراب الدين فاصبر فإنني غريب وأصحابي كثير بلا عد
وقد روى الإمام أحمد رحمه الله تعالى في كتاب "الزهد" عن أبي حازم قال: كان سهل بن سعد - ﵁ - يقول: إني فيكم غريب، فيُقال له: لِم؟ فيقول: ذهب أصحابي والذي كنت أعرف، وبقيت فيكم غريبا.
وروى الإمام أحمد أيضا في "الزهد" بسنده عن الحسن البصري رحمه الله تعالى أنه قال: إن المؤمن في الدنيا غريب، لا يجزع من ذُلِّها، ولا ينافس أهلها في عِزِّها، الناس منه في راحة، ونفسه منه في شغل.
وفي حديث أبي أمامة الذي رواه الطبراني وغيره مرفوعا إلى النبي - ﷺ -: «إن من إقبال هذا الدين أن تفقه القبيلة بأسرها، حتى لا يوجد فيها إلا الفاسق والفاسقان، فهما مقهوران ذليلان، إن تكلَّما قُمعا وقُهرا واضُطهدا.
[ ١ / ١٢٨ ]
وإن من إدبار هذا الدين أن تجفو القبيلة بأسرها، حتى لا يرى فيها إلا الفقيه والفقيهان، فهما مقهوران ذليلان، إن تكلَّما فأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر قُمعا وقُهرا واضُطهدا، فهما مقهوران ذليلان لا يجدان على ذلك أعوانا ولا أنصارًا».
ففي هذا الحديث إشارة إلى الغربة المعنوية في النوعين، ففي أوّله غُربة الفُسّاق بين أهل الفقه والدين والصلاح، وذلك في أوقات عِزّة الإسلام وظهوره وكثرة أهل العلم والخير، وفي آخره غربة الفقهاء وأهل الدين والصلاح بين الفساق وأهل الجهل والجفاء وسوء الأخلاق كما هو الواقع في زماننا وقبله بقرون كثيرة، فالله المستعان.
وللكفار والمنافقين غربة معنوية يختصون بها، فإنهم غرباء عن الله تعالى ورسوله ودينه، وغربتهم هذه هي الغربة الموحشة وإن كانوا هم الأكثرين والمعروفين المشار إليهم، ولأهل الضلالات والأهواء من هذه الأمة نصيب من هذه الغربة الذميمة، كل له بقدر إعراضه عن الكتاب والسنة، ومشابهته للكفار والمنافقين، وقد تقدم في وصف الغرباء الممدوحين أنهم قوم صالحون قليل في ناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم، ففيه إشارة إلى أنهم يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وهذا من أعلى مراتب الكمال، وهو أن يكون المرء صالحا في نفسه، وساعيا مع ذلك في تحصيل الصلاح لغيره.
وفي الصحيحين من حديث سهل بن سعد الساعدي - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال لعلي - ﵁ -: «فوالله لأَن يهدي الله بك رجلا واحدا خيرا لك من حُمْرِ النعم».
وروى الطبراني في الكبير عن أبي رافع - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - بعث عليا
[ ١ / ١٢٩ ]