وأن محمدا رسول الله - ﷺ -، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام.
وعن سعيد بن جبير قال: قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: لو أن الناس تركوا الحج لقاتلناهم على تركه، كما نقاتل على الصلاة والزكاة.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وهل يلحق تارك الصوم والحج والزكاة بتارك الصلاة في وجوب قتله؟ فيه ثلاث روايات عن الإمام أحمد:
إحداها: يقتل بترك ذلك كله كما يقتل بترك الصلاة، وحجة هذه الرواية أن الزكاة والصيام والحج من مباني الإسلام، فيقتل بتركها جميعا كالصلاة، ولهذا قاتل الصديق - ﵁ - مانعي الزكاة وقال: والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة إنها لقرينتها في كتاب الله. وأيضا فإن هذه المباني من حقوق الإسلام، والنبي - ﷺ - لم يؤمر برفع القتال إلا عمن التزم كلمة الشهادة وحقها، وأخبر أن عصمة الدم لا تثبت إلا بحق الإسلام، فهذا قتال للفئة الممتنعة، والقتل للواحد المقدور عليه إنما هو لتركه حقوق الكلمة وشرائع الإسلام، وهذا أصح الأقوال.
والرواية الثانية: لا يُقتل بترك غير الصلاة؛ لأن الصلاة عبادة بدنية لا تدخلها النيابة بحال، والصوم والحج والزكاة تدخلها النيابة.
والرواية الثالثة: يقتل بترك الزكاة والصيام، ولا يقتل بترك الحج؛ لأنه مُختَلف فيه هل هو على الفور أو على التراخي؟ فمن قال هو على التراخي قال: كيف يقتل بتأخير شيء موسع له في تأخيره، وهذا المأخذ ضعيف جدا؛ لأن من يقتله بتركه لا يقتله بمجرد اتفاقا، وإنما صورة
[ ١ / ١٩٦ ]
المسألة أن يعزم على ترك الحج، ويقول هو واجب عليّ ولا أحج أبدا، فهذا موضع النزاع.
والصواب: القول بقتله؛ لأن الحج من حقوق الإسلام، والعصمة لم تثبت لمن تكلم بالإسلام إلا بحقه، والحج من أعظم حقوقه. انتهى.
ومن أعظم حقوق لا إله إلا الله أيضا طاعة الرسول - ﷺ -، وتجريد المتابعة له، والإيمان بكل ما جاء به، قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣١ - ٣٢]، فجعل ﷾ اتباع الرسول - ﷺ - سببا لمحبته سبحانه لمن اتصف بذلك ومغفرته لذنوبه، وأخبر أن التولي عن طاعته وطاعة رسوله كفر، والله لا يحب الكافرين، والآيات في طاعة الرسول - ﷺ - كثيرة جدا تزيد على تسعين آية، وفي أكثرها يقرن الله ﵎ بين طاعته وطاعة رسوله - ﷺ -.
وقد تقدم حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» رواه مسلم والدارقطني.
وهذا الحديث من جوامع الكلم، فيدخل تحته جميع ما تقدم ذكره، وغير
[ ١ / ١٩٧ ]
ذلك من واجبات الدين ومحرماته التي لا عذر لأحد في جحودها أو تركها، وتقدم كلام الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى في ذلك في أول الوجه الرابع، وكذلك قول غيره من كبار الأئمة قد تقدم هناك فليراجع.
الوجه الثالث: أن النبي - ﷺ - قاتل اليهود وهم يقولون لا إله إلا الله، واتفق الصحابة - ﵃ - على قتال مانعي الزكاة ومن أقر بنبوة مسيلمة وغيره من الكذابين، وسموهم كلهم أهل الردة وهم يقولون: لا إله إلا الله، وقاتل عليّ - ﵁ - الخوارج مستندا إلى أمر رسول الله - ﷺ - بقتالهم وهم يقولون: لا إله إلا الله، فدل على أن مجرد التلفظ بلا إله إلا الله مع ترك حقها لا ينفع صاحبه ولا يغني عنه شيئا، وقد عقد كل طائفة من أتباع الأئمة في كتب الفقه بابا في حكم المرتد، وذكروا أشياء كثيرة يكفر بها الإنسان ولو كان يشهد أن لا إله إلا الله، وبعضهم أفرد ذلك بكتاب مستقل.
وأما إنكار النبي - ﷺ - على أسامة بن زيد -﵄- قتله للرجل بعد ما قال: لا إله إلا الله فلأن أسامة - ﵁ - عاجل الرجل بعدما أظهر الإسلام، ظنا منه أنه إنما قال ذلك متعوذا من القتل، وكان الواجب على أسامة أن يكف عنه ويتثبت في أمره حتى يظهر صدقه أو كذبه فيما قال؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤]، ففي هذه الآية دليل على وجوب الكف عمن أظهر الإسلام والتثبت
[ ١ / ١٩٨ ]
في أمره، فإن قام بحق الإسلام فهو مسلم، له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين كما تقدم في الأحاديث الصحيحة، وإن لم يقم بحقوق الإسلام، أو تبين منه بعد التزامها ما يخالف الإسلام قُتل؛ لقول النبي - ﷺ -: «إلا بحقها»، فقد جعله شرطا في عصمة الدم والمال.
ولقوله أيضا في الخوارج: «أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا عظيما عند الله لمن قتلهم».
وقال: «لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد».
وأخبر أنهم يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية، هذا مع قولهم لا إله إلا الله ومع عبادتهم العظيمة، حتى قال النبي - ﷺ - فيهم: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم»، فإذا كان هذا حال من ترك بعض حقوق الإسلام لم تنفعه عبادته ولا قوله لا إله إلا الله، فكيف بمن يترك حقوق الإسلام كلها ويزعم أنه مسلم معصوم الدم والمال بمجرد قوله بلسانه لا إله إلا الله من غير اعتقاد لمعناها ولا عمل بمقتضاها؟! فما أشبه من كانت هذه حاله بمن قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٠]، قال ابن جرير رحمه الله تعالى في هذه الآية: وهذا من أبين الدلالة على خطأ من زعم أن الله لا يعذب أحدا على معصية ركبها، أو ضلالة اعتقدها، إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها، فيركبها عنادا منه لربه فيها؛ لأنه لو كان كذلك لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضل وهو يحسب أنه مهتد وفريق الهدى فرق، وقد فرّق الله تعالى بين أسمائهما
[ ١ / ١٩٩ ]