وتمسي ليس في قلبك غش لأحد فافعل» ثم قال لي: «يا بني، وذلك من سنتي، ومن أحيا سنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
ومنها ما رواه الدارمي، والترمذي، وابن ماجة، عن كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده أن النبي - ﷺ - قال لبلال بن الحارث: «اعلم» قال: ما أعلم يا رسول الله؟ قال: «إنه من أحيا سنّةً من سنّتي قد أميتت بعدي كان له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن ابتدع بدعة ضلالة لا يرضاها الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا» قال الترمذي: هذا حديث حسن.
ومن الآثار عن السلف في هذا المعنى ما رواه أبو نعيم في الحلية، عن سهل بن عبد الله التستري أنه قال: أيما عبد قام بشيء مما أمره الله به من أمر دينه فعمل به وتمسك به، فاجتنب ما نهى الله تعالى عنه عند فساد الأمور، وعند تشويش الزمان، واختلاف الناس في الرأي والتفريق إلا جعله الله إماما يُقتدى به، هاديا مهديا، قد أقام الدين في زمانه، وأقام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو الغريب في زمانه، الذي قال رسول الله - ﷺ -: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ».
وروى أبو الشيخ بإسناده عن الحسن رحمه الله تعالى أنه قال: لو أن رجلا من الصدر الأول بُعث اليوم ما عرف من الإسلام شيئا إلا هذه الصلاة، ثم قال: أما والله لئن عاش إلى هذه المنكرات فرأى صاحب بدعة يدعو إلى بدعته، أو صاحب دنيا يدعو إلى دنياه، فعصمه الله ﷿ وقلبه يحن إلى
[ ١ / ١٣٥ ]
ذلك السلف الصالح فيتبع آثارهم، ويستن بسنتهم، ويتبع سبيلهم كان له أجر عظيم.
ورواه الحافظ محمد بن وضاح في كتاب "البدع والحوادث" بإسناده عن الحسن قال: لو أن رجلا أدرك السلف الأول ثم بعث اليوم ما عرف من الإسلام شيئا، قال: ووضع يده على خده ثم قال: إلا هذه الصلاة، ثم قال: أما والله لمن عاش في هذه النكراء، ولم يدرك هذا السلف الصالح، فرأى مبتدعا يدعو إلى بدعته، ورأى صاحب دنيا يدعو إلى دنياه، فعصمه الله عن ذلك، وجعل قلبه يحن إلى ذكر هذا السلف الصالح، ويقتص آثارهم، ويتبع سبيلهم، ليُعوَّض أجرا عظيما، فكذلك كونوا إن شاء الله تعالى.
وروى ابن المبارك عن الفضيل عن الحسن أنه ذكر الغني المترف الذي له سلطان يأخذ المال ويدَّعي أنه لا عقاب فيه، وذكر المبتدع الضال الذي خرج بسيفه على المسلمين وتأول ما أنزل الله في الكفار على المسلمين، ثم قال: سُنَّتكم والذي لا إله إلا هو بينهما، بين الغالي والجافي، والمترف والجاهل، فاصبروا عليها، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس، الذين لم يأخذوا مع أهل الإتراف في إترافهم، ولا مع أهل البدع في أهوائهم، وصبروا على سنتهم حتى أتوا ربهم، فكذلك إن شاء الله فكونوا، ثم قال: والله لو أن رجلا أدرك هذه المنكرات، يقول هذا: هلمَّ إليّ، ويقول هذا: هلم إليّ، فيقول: لا أريد إلا سنة محمد - ﷺ -، يطلبها، ويسأل عنها، إن هذا ليعرض له أجر عظيم، فكذلك فكونوا إن شاء الله.
وروى الدارمي بعض هذا عن الحسن، وفيه: فإن أهل السنة كانوا أقل
[ ١ / ١٣٦ ]
الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي.
وقال الحافظ محمد بن وضاح: أخبرني غير واحد أن أسد بن موسى كتب إلى أسد بن الفرات: اعلم يا أخي إن ما حملني على الكتاب إليك إلا ذكر أهل بلدك من صالح ما أعطاك الله من إنصافك الناس، وحُسن حالك مما أظهرت من السنة، وعيبك لأهل البدع، وكثرة ذكرك لهم، وطعنك عليهم، فقمعهم الله بك، وشد بك ظهر أهل السنة، وقوّاك عليهم بإظهار عيبهم والطعن عليهم، فأذلهم الله بيدك، وصاروا ببدعتهم مستترين، فابشر يا أخي بثواب ذلك، واعتد به من أفضل حسناتك من الصلاة والصيام والحج والجهاد، وأين تقع هذه الأعمال من إقامة كتاب الله تعالى، وإحياء سنة رسول الله - ﷺ -؟! وقد قال رسول الله - ﷺ -: «من أحيا شيئا من سنتي كنت أنا وهو في الجنة كهاتين، وضم بين أصبعيه»، وقال: «أيما داع دعا إلى هدى فاتبع عليه كان له مثل أجر من اتبعه إلى يوم القيامة، فمتى يدرك أجر هذه شيء من عمله».
وذكر أيضا: أن لله عند كل بدعة كِيْدَ بها الإسلام وليا يذب عنها، وينطق بعلامتها، فاغتنم يا أخي هذا الفضل، وكن من أهله، فإن النبي - ﷺ - قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن وأوصاه: «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من كذا وكذا» وأعظم القول فيه، فاغتنم ذلك، وادع إلى السنة حتى يكون لك في ذلك إلفة وجماعة يقومون مقامك إن حدث بك حدث فيكونون أئمة بعدك، فيكون لك ثواب ذلك إلى يوم القيامة كما جاء في الأثر، فاعمل على بصيرة ونية وحسبة، فيردّ الله بك المبتدع المفتون والزائغ
[ ١ / ١٣٧ ]
الحائر فتكون خلفا من نبيك - ﷺ -، فإنك لن تلقى الله بعمل يشبهه، وإياك أن يكون لك من أهل البدع أخ أو جليس أو صاحب فإنه جاء الأثر: مَن جالس صاحب بدعة نزعت منه العصمة، ووكل إلى نفسه، ومن مشى إلى صاحب بدعة مشى في هدم الإسلام، وجاء: ما من إله يُعبد من دون الله أبغض إلى الله من صاحب هوى، وقد وقعت اللعنة من رسول الله - ﷺ - على أهل البدع، وأن الله لا يقبل منهم صرفا ولا عدلا ولا فريضة ولا تطوعا، وكلما زادوا اجتهادا أو صوما وصلاة ازدادوا من الله بعدا، فارفض مجالسهم، وأذِلَّهم، وأَبْعِدهم كما أَبَعَدَهم الله وأَذَلَّهم رسول الله - ﷺ - وأئمة الهدى بعده. انتهى كلامه أسد رحمه الله تعالى.
وقوله: إن النبي - ﷺ - قال لمعاذ: «لأن يهدي الله بك رجلا » الحديث، لعل هذا وهم من أسد، أو ممن روى عنه؛ لأن المعروف أن النبي - ﷺ - قال ذلك لعلي بن أبي طالب - ﵁ - حين أعطاه الراية، وأمره أن يسير إلى أهل خيبر، وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث سهل بن سعد وغيرهم، والله أعلم.
وقال الشيخ إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني رحمه الله تعالى: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: سمعت أبا الحسن المكاري يقول: سمعت علي بن عبد العزيز يقول: سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام يقول: المُتَّبع للسنة كالقابض على الجمر، وهو اليوم عندي أفضل من ضرب السيف في سبيل الله.
وفي "الكافية الشافية" للمحقق العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى فصل نفيس جدا ذكر فيه ثواب الغرباء الممدوحين، وأوضح من ذلك ما أشكل
[ ١ / ١٣٨ ]