وقال مكحول الشامي، والشافعي: تارك الصلاة مقتول كما يقتل الكافر، ولا يخرج بذلك من الملة، ويدفن في مقابر المسلمين، ويرثه أهله، إلا أن بعض أصحاب الشافعي قال: لا يُصلَّى عليه إذا مات.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: تارك الصلاة لا يُكفّر ولا يُقتل، ولكن يحبس ويضرب حتى يصلي، وتأوَّلوا الخبر على معنى الإغلاظ له والتوعد عليه. انتهى.
والقول الأول أسعد بالدليل من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ﵃ أجمعين.
أما الكتاب: ففي مواضع كثيرة منه:
الأول: قوله تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١].
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": هذه الآية مما استدل به من يرى تكفير تارك الصلاة؛ لما يقتضيه مفهومها، وهي من أعظم ما ورد في القرآن في فضل الصلاة. انتهى.
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [التوبة: ١١].
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: علَّق أخوتهم للمؤمنين بفعل الصلاة، فإذا لم يفعلوا لم يكونوا إخوة للمؤمنين، فلا يكونون مؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، ولقول النبي - ﷺ -: «المسلم أخو المسلم».
[ ١ / ٢٩٧ ]
الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٣٥ - ٤٣].
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وجه الدلالة من الآية أن الله سبحانه أخبر أنه لا يجعل المسلمين كالمجرمين، وأن هذا الأمر لا يليق بحكمته ولا بحكمه، ثم ذكر أحوال المجرمين الذين هم ضد المسلمين فقال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، وأنهم يدعون إلى السجود لربهم ﵎ فيحال بينهم وبينه، فلا يستطيعون السجود مع المسلمين عقوبة لهم على ترك السجود له مع المصلين في دار الدنيا، وهذا يدل على أنهم مع الكفار والمنافقين الذين تبقى ظهورهم إذا سجد المسلمون كصياصي البقر، ولو كانوا من المسلمين لأذن لهم بالسجود كما أذن للمسلمين.
الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٣٨ - ٤٨].
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: لا يخلو إما أن يكون كل واحد من هذه الخصال هو الذي سلكهم في سقر وجعلهم من المجرمين، أو مجموعها،
[ ١ / ٢٩٨ ]
فإن كان كل واحد منها مستقلا بذلك فالدلالة ظاهرة، وإن كان مجموع الأمور الأربعة فهذا إنما هو لتغليظ كفرهم وعقوبتهم، وإلا فكل واحد منها مقتض للعقوبة، إذ لا يجوز أن يضم ما لا تأثير له في العقوبة إلى ما هو مستقل بها، ومن المعلوم أن ترك الصلاة وما ذكر معه ليس شرطا في العقوبة على التكذيب بيوم الدين، بل هو وحده كاف في العقوبة، فدل على أن كل وصف ذكر معه كذلك؛ إذ لا يمكن قائلا أن يقول لا يعذب إلا من جمع هذه الأوصاف الأربعة، فإذا كان كل واحد منها موجبا للإجرام، وقد جعل الله سبحانه المجرمين ضد المسلمين؛ كان تارك الصلاة من المجرمين السالكين في سقر، وقد قال: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٧ - ٤٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩] فجعل المجرمين ضد المؤمنين المسلمين. انتهى.
قلت: وفي الآيات دليل آخر على كفر تارك الصلاة، وهو أن شفاعة الشافعين ما تنفعهم، ولو كانوا كسائر العصاة من المسلمين لنفعتهم الشفاعة، ولم يسلكوا مع الكفار في سقر.
قال البغوي رحمه الله تعالى في تفسيره: قال ابن مسعود - ﵁ -: يشفع الملائكة والنبيون والشهداء والصالحون وجميع المؤمنين فلا يبقى في النار إلا أربعة ثم تلا: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿بِيَوْمِ الدِّينِ﴾، وقال عمران بن الحصين ﵄: الشفاعة نافعة لكل واحد دون هؤلاء الذي تسمعون.
[ ١ / ٢٩٩ ]
قلت: وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «يجمع الله الناس يوم القيامة » فذكر الحديث وفيه: «حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا، ممن أراد الله أن يرحمه ممن يشهد أن لا إله إلا الله، فيعرفونهم في النار بأثر السجود، تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود؛ حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون تحته كما تنبت الحبة في حميل السيل» الحديث.
وفي الصحيحين أيضا من حديث أبي سعيد - ﵁ - عن النبي - ﷺ - نحوه، وفيه: «فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبين لكم مَنِ المؤمن يومئذ للجبار، وإذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم، يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا، فيقول الله تعالى: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرم الله صورهم على النار» الحديث.
ففي هذين الحديثين دليل على أن الشافعين إنما يشفعون لعصاة المسلمين الذين كانوا يصلون ويصومون ويحجون ويعملون مع المسلمين، ولكن كانت لهم ذنوب حُبسوا بسببها في الطبقة العليا من طبقات النار؛ لتُمحِّصهم النار وتطهرهم من ذنوبهم، وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود منهم، وبهذا الأثر يعرفهم الشافعون فيخرجونهم من النار، وليس لمن ترك
[ ١ / ٣٠٠ ]
الصلاة أثر يعرف به، وليس منه شيء يحرم على النار أن تأكله، وليسوا أيضا إخوة للمؤمنين حتى يشفعوا لهم، وإنما هم إخوة للمجرمين الذين سلكوا معهم في سقر كما قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]؛ قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: إخوانهم. وفي رواية: أشباههم. وعن النعمان بن بشير، وابن عباس - ﵃ -: يعني بأزواجهم أشباههم وأمثالهم، وكذا قال جماعة من المفسرين، والله أعلم.
الدليل الخامس: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦].
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وجه الدلالة أنه سبحانه علق حصول الرحمة لهم بفعل هذه الأمور، فلو كان ترك الصلاة لا يوجب تكفيرهم وخلودهم في النار، لكانوا مرحومين بدون فعل الصلاة، والرب تعالى إنما جعلهم على رجاء الرحمة إذا فعلوها.
الدليل السادس: قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥].
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: اختلف السلف في معنى السهو عنها:
فقال سعد بن أبي وقاص - ﵁ -، ومسروق بن الأجدع، وغيرهما: هو تركها حتى يخرج وقتها، وروي في ذلك حديث مرفوع قال محمد بن نصر المروزي: حدثنا سفيان بن أبي شيبة، حدثنا عكرمة بن إبراهيم، حدثنا عبد الملك بن عمير، عن مصعب بن سعد، عن أبيه أنه سأل النبي - ﷺ - عن
[ ١ / ٣٠١ ]
الذين هم عن صلاتهم ساهون قال: «هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها».
وقال حماد بن زيد: حدثنا عاصم، عن مصعب بن سعد قال: قلت لأبي: يا أبتاه، أرأيت قول الله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ أيّنا لا يسهو، أينا لا يحدث نفسه؟ قال: إنه ليس ذلك، ولكنه إضاعة الوقت.
وقال حيوة بن شريح: أخبرني أبو صخر أنه سأل محمد بن كعب القرظي عن قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ قال: هو تاركها، ثم سأله عن الماعون قال: منع المال عن حقه.
إذا عُرف هذا، فالوعيد بالويل اطَّرد في القرآن للكفار كقوله: ﴿* الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت: ٦ - ٧]، وقوله: ﴿أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [الجاثية: ٧ - ٩]، وقوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ٢]، إلا في موضعين وهما: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، و﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ فعلق الويل بالتطفيف، وبالهمز واللمز، وهذا لا يكفر به بمجرده، فويل تارك الصلاة إما أن يكون ملحقا بويل الكفار أو بويل الفساق، فإلحاقه بويل الكفار أولى لوجهين:
أحدهما: أنه قد صح عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - في هذه الآية أنه قال: لو تركوها لكانوا كفارا، ولكن ضيعوا وقتها.
الثاني: ما سنذكره من الأدلة على كفره.
[ ١ / ٣٠٢ ]
الدليل السابع: قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩].
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره: قال سفيان الثوري، وشعبة، ومحمد بن إسحاق، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال: واد في جهنم بعيد القعر، خبيث الطعم.
وقال الأعمش عن زياد، عن أبي عياض في قوله ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال: واد في جهنم من قيح ودم.
ثم ذكر ما رواه ابن جرير، ومحمد بن نصر، عن لقمان بن عامر الخزاعي قال: جئت أبا أمامة الباهلي - ﵁ - فقلت: حدثنا حديثا سمعته من رسول الله - ﷺ -، فدعا بطعام ثم قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لو أن صخرة زِنَة عشر أواق قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها خمسين خريفا، ثم تنتهي إلى غي وأثام»، قال: قلت: ما غي وأثام؟ قال: «بئران في أسفل جهنم يسيل فيهما صديد أهل النار، وهما اللذان ذكرهما في كتابه: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾، وقوله في الفرقان: ﴿ولَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]» قال ابن كثير: هذا حديث غريب، ورفعه منكر. انتهى.
وروى محمد بن نصر، والبغوي في تفسيره، كلاهما من طريق عبد الله بن المبارك، عن هشيم بن بشير، أخبرنا زكريا بن أبي مريم الخزاعي قال: سمعت أبا أمامة الباهلي - ﵁ - يقول: «إن ما بين شفير جهنم إلى قعرها مسيرة سبعين خريفا من حجر يهوي -أو قال-: صخرة تهوي، عظمها كعشر
[ ١ / ٣٠٣ ]
عشروات سمان» فقال له مولى لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد: هل تحت ذلك شيء يا أبا أمامة؟ قال: «نعم، غي وأثام».
وقال أيوب بن بشير، عن شقي بن ماتع قال: إن في جهنم واديا يسمى غيا، يسيل دما وقيحا، فهو لمن خلق له، قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وجه الدلالة أن الله سبحانه جعل هذا المكان من النار لمن أضاع الصلاة واتبع الشهوات، ولو كان مع عصاة المسلمين لكانوا في الطبقة العليا من طبقات النار، ولم يكونوا في هذا المكان الذي هو في أسفلها، فإن هذا ليس من أمكنة أهل الإسلام بل من أمكنة الكفار، ومن الآية دليل آخر؛ وهو قوله: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فلو كان مضيع الصلاة مؤمنا لم يشترط في توبته الإيمان؛ لأنه يكون تحصيلا للحاصل. انتهى.
الدليل الثامن: قوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة: ٣١ - ٣٢].
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: لما كان الإسلام تصديق الخبر، والانقياد للأمر، جعل سبحانه له ضدين؛ عدم التصديق، وعدم الصلاة، وقابل التصديق بالتكذيب، والصلاة بالتولي عن الصلاة.
قال سعيد عن قتادة: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ لا صدق بكتاب الله ولا صلى لله، ولكن كذّب بآيات الله وولى عن طاعته، ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ وعيد على أثر وعيد.
[ ١ / ٣٠٤ ]
الدليل التاسع: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩].
قال ابن جريج: سمعت عطاء بن أبي رباح يقول: هي الصلاة المكتوبة.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ووجه الاستدلال بالآية أن الله حكم بالخسران المطلق لمن ألهاه ماله وولده عن الصلاة، والخسران المطلق لا يحصل إلا للكفار، فإن المسلم ولو خسر بذنوبه ومعاصيه فآخر أمره إلى الربح، يوضحه أن الله ﷾ أكَّد خسران تارك الصلاة في هذه الآية بأنواع من التأكيد:
أحدها: إتيانه به بلفظ الاسم الدال على ثبوت الخسران ولزومه، دون الفعل الدال على التجدد والحدوث.
الثاني: تصدير الاسم بالألف واللام المؤدية لحصول كمال المسمى لهم، فإنك إن قلت: زيد العالم الصالح، أفاد ذلك إثبات كمال ذلك له، بخلاف قولك: عالم صالح.
الثالث: إتيانه سبحانه بالمبتدأ والخبر معرفتين، وذلك من علامات انحصار الخبر في المبتدأ، كما في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤] ونظائره.
الرابع: إدخال ضمير الفصل بين المبتدأ والخبر، وهو يفيد مع الفصل فائدتين أخريين؛ قوة الإسناد، واختصاص المسند إليه بالمسند، كقوله:
[ ١ / ٣٠٥ ]
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الحج: ٦٤]، وقوله: ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٦]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الشورى: ٥]، ونظائر ذلك. انتهى.
الدليل العاشر: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥].
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وجه الاستدلال بالآية أنه سبحانه نفى الإيمان عمَّن إذا ذُكِّروا بآيات الله لم يخروا سجدا مسبحين بحمد ربهم، ومن أعظم التذكير بآيات الله التذكير بآيات الصلاة، فمن ذُكِّر بها ولم يتذكر ولم يصلّ لم يؤمن بها؛ لأنه سبحانه خص المؤمنين بها بأنهم أهل السجود، وهذا من أحسن الاستدلال وأقربه، فلم يؤمن بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ إلا من التزم إقامتها. انتهى.
الدليل الحادي عشر: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٨ - ٤٩].
قال البغوي رحمه الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ يعني صلُّوا، لا يُصلُّون.
وقال ابن عباس -﵄-: إنما يقال لهم هذا يوم القيامة، حين يُدعون إلى السجود فلا يستطيعون.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: توعّدهم على ترك الركوع، وهو الصلاة إذا دعوا إليها، ولا يقال إنما توعدهم على التكذيب، فإنه ﷾ إنما أخبر عن تركهم لها، وعليه وقع الوعيد، على أنّا نقول: لا يصر على
[ ١ / ٣٠٦ ]
ترك الصلاة إصرارا مستمرا من يصدق بأن الله أمر بها أصلا، فإنه يستحيل في العادة والطبيعة أن يكون الرجل مصدقا تصديقا جازما أن الله فرض عليه كل يوم وليلة خمس صلوات، وأنه يعاقبه على تركها أشد العقاب، وهو مع ذلك مُصِرّ على تركها، هذا من المستحيل قطعا فلا يحافظ على تركها مصدق بفرضها أبدا، فإن الإيمان يأمر صاحبه بها، فحيث لم يكن في قلبه ما يأمر بها فليس في قلبه شيء من الإيمان، ولا تصغ إلى كلام من ليس له خبرة ولا علم بأحكام القلوب وأعمالها، وتأمل في الطبيعة بأن يقوم بقلب العبد إيمان بالوعد والوعيد، والجنة والنار، وأن الله فرض عليه الصلاة، وأن الله يعاقبه معاقبة على تركها، وهو محافظ على الترك في صحته وعافيته وعدم الموانع المانعة له من الفعل، وهذا القدر هو الذي خفي على من جعل الإيمان مجرد التصديق وإن لم يقارنه فعل واجب ولا ترك محرم، وهذا من أمحل المحال أن يقوم بقلب العبد إيمان جازم لا يتقاضاه فعل طاعة ولا ترك معصية، ونحن نقول الإيمان هو التصديق، ولكن ليس التصديق مجرد اعتقاد صدق المخبر دون الانقياد له، ولو كان مجرد اعتقاد التصديق إيمانا لكان إبليس، وفرعون وقومه، وقوم صالح، واليهود الذين عرفوا أن محمدا رسول الله كما يعرفون أبناءهم مؤمنين مصدقين، وقد قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ أي يعتقدون إنك صادق ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، والجحود لا يكون إلا بعد معرفة الحق، قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، وقال موسى لفرعون: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
[ ١ / ٣٠٧ ]
بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، وقال تعالى عن اليهود: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]، وأبلغ من هذا قول النفرين اليهوديين لما جاءا إلى النبي - ﷺ -، وسألاه عما دلهما على نبوته فقالا: نشهد أنك لنبي، فقال: «ما يمنعكما من اتباعي؟» قالا: إن داود دعا أن لا يزال في ذريته نبي، وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا اليهود. فهؤلاء قد أقروا بألسنتهم إقرارا مطابقا لمعتقدهم أنه نبي، ولم يدخلوا بهذا التصديق والإقرار في الإيمان؛ لأنهم لم يلتزموا طاعته والانقياد لأمره.
ومن هذا كفر أبي طالب، فإنه عرف حقيقة المعرفة أنه صادق، وأقر بذلك بلسانه، وصرح به في شعره، ولم يدخل بذلك في الإسلام، فالتصديق إنما يتم بأمرين:
أحدهما: اعتقاد الصدق.
والثاني: محبة القلب وانقياده.
ولهذه قال تعالى لإبراهيم: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٥]، وإبراهيم كان معتقدا لصدق رؤياه من حين رآها؛ فإن رؤيا الأنبياء وحي، وإنما جعله مصدقا لها بعد أن فعل ما أمر به.
وكذلك قوله - ﷺ -: «والفرج يصدق ذلك أو يكذبه»؛ فجعل التصديق عمل الفرج ما يتمنى القلب، والتكذيب تركه لذلك، وهذا صريح في أن التصديق لا يصح إلا بالعمل.
وقال الحسن: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في
[ ١ / ٣٠٨ ]
القلب، وصدّقه العمل. وقد رُوي هذا مرفوعا.
والمقصود أنه يمتنع مع التصديق الجازم بوجوب الصلاة، والوعد على فعلها، والوعيد على تركها، وبالله التوفيق. انتهى كلامه ﵀.
وكأن في آخره سقطا، والمعنى: أنه يمتنع مع التصديق الجازم بما ذكر أن يصر على ترك الصلاة مسلم، كما تقدم في أول كلامه، والله أعلم.
الدليل الثاني عشر: قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [الأنعام: ٩٢].
ووجه الاستدلال بهذه الآية: أن الإيمان بالآخرة يُحمل على الإيمان بكتاب الله الذي أنزله على نبيه محمد - ﷺ -، وعلى المحافظة على الصلوات الخمس، فالتارك للصلاة عمدا إنما يتركها لعدم إيمانه بالآخرة وذلك كفر، فيكون تارك الصلاة كافرا، والله أعلم.
الدليل الثالث عشر: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤].
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: استدل أحمد وإسحاق على كفر تارك الصلاة بكفر إبليس بترك السجود لآدم، وترك السجود لله أعظم. انتهى.
وقد روى مسلم في صحيحه حديثين في كفر تارك الصلاة؛ أحدهما حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله»، وفي رواية: «يا ويلي، أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار»، وفي
[ ١ / ٣٠٩ ]
رواية: «فعصيت فلي النار».
وظاهر صنيع مسلم رحمه الله تعالى في ضم هذا الحديث إلى حديث جابر الصريح في كفر تارك الصلاة مشعرٌ بموافقته لأحمد وإسحاق فيما استدلا به.
[ ١ / ٣١٠ ]