ورواه سعيد بن زيد -أخو حماد بن زيد- عن عمرو بن مالك بهذا الإسناد مرفوعا، وقال: «من ترك منهن واحدة فهو كافر، ولا يقبل منه صرف ولا عدل، وقد حل دمه وماله» ولم يذكر ما بعده.
وأما الحج فقد قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧].
وروى ابن جرير، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله كتب عليكم الحج» فقال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: «والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت، ولو وجب عليكم ما أطقتموه، ولو تركتموه لكفرتم».
وروى ابن جرير أيضا من حديث أبي أمامة الباهلي - ﵁ - نحوه.
وكذا من طريق العوفي، عن ابن عباس، ومن طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس -﵄- نحوه.
وروى الترمذي، وابن مردويه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن علي - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا، وذلك أن الله يقول في كتابه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾» قال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده مقال.
وروى سعيد بن منصور بإسناده، عن عبد الرحمن بن سابط قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من مات ولم يحج حجة الإسلام، لم يمنعه مرض حابس،
[ ١ / ٣٣٥ ]
أو سلطان جائرا، أو حاجة ظاهرة، فليمت على أي حال شاء يهوديا أو نصرانيا».
ورواه أبو نعيم في الحلية، من طريق محمد بن أسلم الطوسي، والبغوي في تفسيره من طريق سهل بن عمارة، كلاهما عن يزيد بن هارون، قال: أخبرنا شريك، عن ليث، عن عبد الرحمن بن سابط، عن أبي أمامة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من لم يمنعه من الحج حاجة ظاهرة، أو مرض حابس، أو سلطان جائر؛ فمات ولم يحج فليمت يهوديا أو نصرانيا».
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب "الهدي": روينا من حديث أبي علي الحسن بن الحسين بن دوما، عن البراء بن عازب -﵄- يرفعه: «كفر بالله العظيم عشرة من هذه الأمة -وذكر منهم-: من وجد سعة فمات ولم يحج».
وروى الإسماعيلي، من حديث الأوزاعي، حدثني إسماعيل بن أبي المهاجر، حدثني عبد الرحمن بن غنم، أنه سمع عمر بن الخطاب - ﵁ - يقول: «من أطاق الحج فلم يحج فسواء عليه مات يهوديا أو نصرانيا» قال ابن كثير رحمه الله تعالى: هذا إسناد صحيح إلى عمر - ﵁ -.
قلت: ورواه أبو نعيم في الحلية، من طريق محمد بن أسلم الطوسي، حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن الأوزاعي، فذكره بنحوه.
وروى سعيد بن منصور في سننه، عن الحسن البصري قال: قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا إلى كل من كان عنده جدة فلم يحج فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما
[ ١ / ٣٣٦ ]
هم بمسلمين.
وفي الصحيحين وغيرهما، عن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «بني الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصيام رمضان».
وفي رواية لأحمد: «الإسلام خمس».
ورواية محمد بن نصر المروزي بلفظ: «بني الإسلام على خمس دعائم ..» فذكره.
وهذه الدعائم مرتبط بعضها ببعض، وقد روي أنه لا يقبل بعضها بدون بعض، كما في مسند الإمام أحمد، عن زياد بن نعيم الحضرمي قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أربع فرضهن الله في الإسلام، فمن جاء بثلاث لم يغنين عنه شيئا حتى يأتي بهن جميعا: الصلاة، والزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت» وهذا مرسل.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وقد روي عن زياد، عن عمارة بن حزم، عن النبي - ﷺ -.
قال: وروي عن عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه، عن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الدين خمس، لا يقبل الله منهن شيئا دون شيء؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبالجنة والنار، والحياة بعد الموت» هذه واحدة، والصلوات الخمس عمود الدين؛ لا يقبل الله الإيمان إلا بالصلاة، والزكاة طهور من الذنوب، ولا يقبل الله الإيمان ولا الصلاة إلا بالزكاة،
[ ١ / ٣٣٧ ]
فمن فعل هؤلاء الثلاث، ثم جاء رمضان فترك صيامه متعمدا لم يقبل الله منه الإيمان ولا الصلاة ولا الزكاة، فمن فعل هؤلاء الأربع ثم تيسر له الحج فلم يحج، ولم يوص بحجته، ولم يحج عنه بعض أهله، لم يقبل الله منه الأربع التي قبلها. ذكره ابن أبي حاتم فقال: سألت أبي عنه فقال: هذا حديث منكر؛ يحتمل أن هذا من كلام عطاء الخراساني. قال ابن رجب رحمه الله تعالى: الظاهر أنه من تفسيره لحديث ابن عمر -﵄- وعطاء من أجلاَّء علماء الشام. انتهى.
وقد رواه أبو نعيم في "الحلية"، وزاد بعد قوله: «ولم يحج عنه بعض أهله»: «لا يقبل الله منه الإيمان ولا الصلاة ولا الزكاة ولا صيام رمضان؛ لأن الحج فريضة من فرائض الله، ولن يقبل الله شيئا من فرائضه بعضها دون بعض» قال أبو نعيم: غريب من حديث ابن عمر بهذا اللفظ، لم يروه عنه إلا عطاء، ولا عنه إلا ابنه عثمان، تفرد به عبد الحميد بن أبي جعفر. انتهى.
وروى أبو بكر الآجري في كتاب "الشريعة"، عن أبي الدرداء - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «خمس من جاء بهن يوم القيامة مع إيمان دخل الجنة؛ من حافظ على الصلوات الخمس؛ على وضوئهن، وركوعهن، وسجودهن، ومواقيتهن، وأعطى الزكاة من ماله طيب النفس بها» قال وكأنه يقول: «وأيم الله لا يفعل ذلك إلا مؤمن، وصام رمضان، وحج البيت إن استطاع إليه سبيلا، وأدى الأمانة» قال أبو الدرداء: وما أداء الأمانة؟ قال: «الغسل من الجنابة، فإن الله ﷿ لم يأمن ابن آدم على شيء من
[ ١ / ٣٣٨ ]
دينه غيرها».
ورواه أبو نعيم في الحلية بنحوه.
وهذا الحديث في سنن أبي داود، من رواية أبي سعيد بن الأعرابي عنه، وفيه اختصار يسير عما هنا.
وإذا عرف هذا فلا يخفى على عاقل له أدنى خبرة بأحوال المنتسبين إلى الإسلام في هذه الأزمان، أن الأكثرين منهم قد أضاعوا هذه الأركان العظام، وقلت مبالاتهم بها، وأن المحافظين على القيام بها كلها هم الأقلون عددا، فالله المستعان.
[ ١ / ٣٣٩ ]