وعرض المنتسبين على الإسلام الحقيقي لا يثبت من هذا العدد إلا القليل كما لا يخفى على من نوّر الله قلبه بنور العلم والإيمان.
الثاني: أنه لا يغتر بهذه الكثرة، ويحسبها كلها على الحق وعلى طريق مستقيم إلا الأغبياء الجاهلون بدين الإسلام، الذين لا فرق عندهم بين الموحدين والمشركين، ولا بين المتبعين والمبتدعين، فأما من عرف دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله محمدا - ﷺ - فإنه لا يغتر بمثل هذا ولا يُروَّج عليه.
الثالث: أن يقال لمن اغتر بهذا العدد وتكثر به: لقد استسمنت ذا ورم، وأعجبك جهام قليلٌ ماؤه، ومثل هذه الكثرة التي أعجبتك وظننتها حقا كمثل غثاء السيل أكثره زبد وزبل وشوك وما لا خير فيه، وهكذا أكثر المنتسبين إلى الإسلام في هذا الزمان، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، وقال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤]، وما أكثر من ينتسب إلى الإسلام في زماننا وقبله بقرون كثيرة وهم من أولياء الشيطان وحزبه، وما أقل أهل الإسلام الحقيقي فيهم، يوضح ذلك
الوجه الرابع: أن أكثر المنتسبين إلى الإسلام في هذه الأزمان ليس معهم من الإسلام ما يعصم الدم والمال، مثل إسلام المنافقين الذين كانوا على عهد النبي - ﷺ - فضلا عما هو أعلى من ذلك كإسلام الأعراب الذين منُّوا على رسول الله - ﷺ - بإسلامهم فضلا عن الإسلام الحقيقي الذي يرادف الإيمان، وقد علّق النبي - ﷺ - عصمة الدم والمال بأمورٍ أكثر المنتسبين
إلى الإسلام الآن في معزل عنها أو عن بعضها كما لا يخفى على من عرف دين
[ ١ / ١٤٤ ]
الإسلام وعرف ما عليه أكثر من يدّعيه، ففي الصحيحين عن ابن عمر -﵄- أن رسول الله - ﷺ - قال: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مِنِّي دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» هذا لفظ البخاري، وعند مسلم: «إلا بحقها».
وفي المسند، وتاريخ البخاري، وسنن ابن ماجة، والدراقطني، ومستدرك الحاكم، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة»، زاد أحمد والدارقطني والحاكم: «ثم قد حُرِّمت عليَّ دماؤهم وأموالهم وحسابهم على الله ﷿».
وفي رواية للدراقطني عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «أُمرت بثلاثة: أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله».
وفي المسند، وسنن ابن ماجة، والدراقطني، عن معاذ بن جبل - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إنما أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة»، زاد أحمد: «فإذا فعلوا ذلك فقد اعتصموا وعصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ﷿».
[ ١ / ١٤٥ ]
وفي سنن النسائي، ومستدرك الحاكم، عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: لما توفّي رسول الله - ﷺ - ارتدّت العرب، فقال عمر - ﵁ -: يا أبا بكر، كيف تقاتل العرب؟ فقال أبو بكر - ﵁ -: إنما قال رسول الله - ﷺ -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة»
قال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
وقد رواه الدارقطني في سننه ولفظه عن أنس - ﵁ - قال: قال أبو بكر - ﵁ -: إنما قال رسول الله - ﷺ -: «إذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله»، والله لو منعوني عناقا مما كانوا يعطون رسول الله - ﷺ - لأقاتلنهم عليه.
وفي صحيح مسلم، وسنن الدارقطني، عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله».
وفي صحيحه أيضا عن أبي مالك الأشجعي، عن أبيه - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من قال لا إله إلا الله وكَفَرَ بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله»، وفي رواية: «من وحّد الله» والباقي مثله.
ورواه الإمام أحمد في مسنده، عن يزيد بن هارون قال: أخبرنا أبو مالك
[ ١ / ١٤٦ ]
الأشجعي عن أبيه - ﵁ - أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: «من وحّد الله تعالى، وكفر بما يعبد من دونه حرم ماله ودمه وحسابه على الله ﷿».
وفي صحيح البخاري عن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته».
وفي رواية قال رسول الله - ﷺ -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها وصلُّوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا فقد حُرِّمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله».
وفي رواية أخرى: أن ميمون بن سياه سأل أنس بن مالك - ﵁ - قال: يا أبا حمزة: ما يُحرِّم دم العبد وماله؟ فقال: «من شهد أن لا إله إلا الله، واستقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا فهو المسلم، له ما للمسلم، وعليه ما على المسلم».
وقد رواه الإمام أحمد، وأهل السنن إلا ابن ماجة، كلهم من حديث عبد الله بن المبارك، عن حميد الطويل، عن أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - ولفظ أبي داود، والترمذي قال رسول الله - ﷺ -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، وأن يأكلوا ذبيحتنا، وأن يصلوا صلاتنا، فإذا فعلوا ذلك حُرِّمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وفي الباب عن معاذ بن جبل، وأبي هريرة ﵄. انتهى.
[ ١ / ١٤٧ ]
وقد رواه أبو داود والدارقطني، من حديث يحيى بن أيوب، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أُمرت أن أقاتل المشركين حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وصلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبائحنا حُرِّمت علينا أموالهم ودماؤهم إلا بحقها، ولهم ما للمسلم وعليهم ما على المسلم» هذا لفظ الدارقطني.
ورواه النسائي والدارقطني أيضا، من حديث محمد بن عيسى بن سميع، عن حميد الطويل، عن أنس - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - بنحوه.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى: أجمع العلماء على أن من قال لا إله إلا الله، ولم يعتقد معناها، ولم يعمل بمقتضاها، أنه يقاتل حتى يعمل بما دلت عليه من النفي والإثبات. انتهى.
وقال الخطابي رحمه الله تعالى في قوله: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله»: معلوم أن المراد بقوله: «حتى يقولوا لا إله إلا الله» إنما هم أهل الأوثان دون أهل الكتاب؛ لأنهم يقولون لا إله إلا الله، ثم أنهم يقاتلون ولا يرفع عنهم السيف، وقوله: «حسابهم على الله» معناه فيما يستسرون به دون ما يخلون به من الأحكام الواجبة عليهم في الظاهر. انتهى.
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال لا إله إلا الله تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بهذا مشركو العرب وأهل الأوثان ومن لا يوحد، وهم كانوا أول من دُعي إلى الإسلام وقوتل عليه، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفي في عصمته بقوله لا
[ ١ / ١٤٨ ]
إله إلا الله، إذ كان يقولها في كفره، وهي من اعتقاده، فلذلك جاء في الحديث الآخر «وأني رسول الله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة».
قال النووي رحمه الله تعالى: ولابد مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به رسول الله - ﷺ - كما جاء في الرواية الأخرى لأبي هريرة - ﵁ -: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به». انتهى.
وقال البغوي رحمه الله تعالى: الكافر إذا كان وثنيا، أو ثنويا لا يقر بالوحدانية، فإذا قال: لا إله إلا الله حكم بإسلامه، ثم يُجبر على قبول جميع أحكام الإسلام، ويبرأ من كل دين خالف دين الإسلام، وأما من كان مقرا بالوحدانية، منكرا للنبوة، فإنه لا يحكم بإسلامه حتى يقول محمد رسول الله، فإن كان يعتقد أن الرسالة المحمدية إلى العرب خاصة فلابد أن يقول إلى جميع الخلق، فإن كان كفر بجحود واجبٍ واستباحة مُحرَّم فيحتاج أن يرجع عما اعتقده.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: ومقتضى قوله يجبر أنه إذا لم يلتزم تجرى عليه أحكام المرتد، وبه صرّح القفَّال. انتهى.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية قدّس الله روحه لما سئل عن قتال التتار مع دعواهم التمسك بالشهادتين، قال رحمه الله تعالى: كل طائفة ممتنعة عن التزام شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، من هؤلاء القوم وغيرهم، فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر والصحابة - ﵃ - مانعي الزكاة، وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم بعد سابقة مناظرة عمر
[ ١ / ١٤٩ ]
لأبي بكر ﵄، فاتفق الصحابة - ﵃ - على القتال على حقوق الإسلام عملا بالكتاب والسنة، وكذلك ثبت عن النبي - ﷺ - من عشرة أوجه الحديث عن الخوارج، وأمر بقتالهم، وأخبر أنهم شر الخلق، مع قوله: «تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم»، فعلم أن مجرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه ليس بمُسقط للقتال، فالقتال واجب حتى يكون الدين كله لله، وحتى لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب، فأيُّما طائفة ممتنعة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، أو الأموال، أو الخمر، أو الزنا، أو الميسر، أو نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، أو غير ذلك من واجبات الدين، أو محرماته التي لا عذر لأحد في جحودها أو تركها، التي يكفر الجاحد لوجوبه، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها، وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء، وإنما اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة إذا أصرت على ترك بعض السنن كركعتي الفجر، أو الأذان أو الإقامة عند من لا يقول بوجوبهما ونحو ذلك من الشعائر، هل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا؟
فأما الواجبات، أو المحرمات المذكورة، ونحوها فلا خلاف في القتال عليها، وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام، أو الخارجين عن طاعته، كأهل الشام مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ -، فإن أولئك خارجون عن طاعة إمام معين، أو
[ ١ / ١٥٠ ]
خارجون عليه لإزالة ولايته، وأما المذكورون فهم خارجون عن الإسلام، بمنزلة مانعي الزكاة، وبمنزلة الخوارج الذين قاتلهم علي - ﵁ -، ولهذا افترقت سيرة علي - ﵁ - في قتاله لأهل البصرة وأهل الشام، وفي قتاله لأهل النهروان، فكانت سيرته مع البصريين والشاميين سيرة الأخ مع أخيه، ومع الخوارج بخلاف ذلك، وثبتت النصوص عن النبي - ﷺ - بما استقر عليه إجماع الصحابة من قتال الصدِّيق لمانعي الزكاة، وقتال علي للخوارج. انتهى المقصود من كلامه رحمه الله تعالى.
فتأمل قوله: فعلم أن مجرد الاعتصام بالإسلام، مع عدم التزام شرائعه ليس بمُسقط للقتال، فالقتال واجب حتى يكون الدين كله لله، وحتى لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب .. إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.
ثم تأمل ما عليه أكثر من يدَّعي الإسلام، من صَرْف العبادة أو بعض أنواعها لغير الله، ومن تَرْكهم ما أمر الله به ورسوله - ﷺ - من واجبات الدين، وارتكابهم لمحرماته، فبذلك تعرف أن أكثر المنتسبين إلى الإسلام في معزل عنه، وأن أهل الإسلام الحقيقي هم الأقلون عددا، فالله المستعان.
وقال شيخ الإسلام أيضا -قدس الله روحه- في جواب آخر: كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين، وإن تكلمت بالشهادتين، فإذا أقروا بالشهادتين، وامتنعوا عن الصلوات الخمس وجب قتالهم حتى يصلوا، وإن امتنعوا عن الزكاة وجب قتالهم حتى يؤدوا الزكاة، وكذلك إن امتنعوا عن صيام شهر
[ ١ / ١٥١ ]
رمضان، أو حج البيت العتيق، وكذلك إن امتنعوا عن تحريم الفواحش، أو الزنا، أو الميسر، أو الخمر، أو غير ذلك من محرمات الشريعة، وكذلك إن امتنعوا عن الحكم في الدماء، والأموال، والأعراض، والأبضاع ونحوها بحكم الكتاب والسنة، وكذلك إن امتنعوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار إلى أن يسلموا أو يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وكذلك إن أظهروا الإلحاد في أسماء الله وآياته، أو التكذيب بأسماء الله وصفاته، أو التكذيب بقدره وقضائه، أو التكذيب بما كان عليه جماعة المسلمين على عهد الخلفاء الراشدين، أو الطعن في السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، أو مقاتلة المسلمين حتى يدخلوا في طاعتهم التي توجب الخروج عن شريعة الإسلام وأمثال هذه الأمور، قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله. انتهى.
ومن تأمل هذا الكلام حق التأمل، ونزله على أحوال المنتسبين إلى الإسلام في هذه الأزمان رأى أن كثيرا منهم محتاجون إلى القتال كما قاتل الصديق - ﵁ - مانعي الزكاة، وكما قاتل علي - ﵁ - أهل النهروان. فالله المستعان.
وفي الاختيارات: أجمع العلماء على أن كل طائفة ممتنعة عن شريعة متواترة عن شرائع الإسلام فإنه يجب قتالها حتى يكون الدين كله لله
[ ١ / ١٥٢ ]
كالمحاربين وأولى. انتهى.
وقال الشيخ عثمان بن قائد الحنبلي في عقيدته:
تتمة الإسلام الإتيان بالشهادتين، مع اعتقادهما، والتزام الأركان الخمسة إذا تعينت، وتصديق الرسول - ﷺ - فيما جاء به، ومَن جحد ما لا يتم الإسلام بدونه، أو جحد حكما ظاهرا، أو أجمع على تحريمه، أو حِلّه إجماعا قطعيا، أو ثبت جزما كتحريم لحم الخنزير، أو حلّ خمر ونحوهما كَفَرَ، أو فعل كبيرة، وهي ما فيها حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو داوم على صغيرة، وهي ما عدا ذلك فسق. انتهى.
وقال الراغب الأصفهاني: الإسلام في الشرع على ضربين:
أحدهما: دون الإيمان؛ وهو الاعتراف باللسان، وبه يُحقن الدم، حصل معه الاعتقاد أو لم يحصل، وإياه قصد بقوله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤].
والثاني: فوق الإيمان؛ وهو أن يكون مع الاعترافات اعتقاد بالقلب، ووفاء بالفعل، واستسلام لله في جميع ما قضى وقدر، كما ذكر عن إبراهيم - ﵇ - في قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]، وقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١] أي: اجعلني ممن استسلم لرضاك، وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الروم: ٥٣] أي: منقادون للحق مذعنون له. انتهى.
[ ١ / ١٥٣ ]
وقوله: وبه يحقن الدم؛ يعني مع التزام شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة.
وقوله: والثاني فوق الإيمان؛ لو قال مرادف الإيمان، كما عبر بذلك غيره لكان أولى، وقد سمى النبي - ﷺ - الإسلام إيمانا في حديث ابن عباس في قصة وفد عبد القيس، وسمى الإيمان إسلاما في حديث عمرو بن عنبسة الذي رواه الإمام أحمد أن رجلا قال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: «أن تُسلم قلبك لله، وأن يَسَلم المسلمون من لسانك ويدك»، قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال: «الإيمان»، قال: وما الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت ..» الحديث، ففي هذا دليل لمن قال بالترادف كما يأتي.
وهذا الذي قرره الراغب قد ذكره البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، وقرره الحافظ ابن حجر في فتح الباري تقريرا حسنا.
قال البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الإيمان: باب: إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل، لقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، فإذا كان على الحقيقة فهو على قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾.
قال الحافظ ابن حجر: ومحصل ما ذكره واستدل به أن الإسلام يطلق ويراد به الحقيقة الشرعية، وهو الذي يرادف الإيمان، وينفع عند الله، وعليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَمَا
[ ١ / ١٥٤ ]
وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، ويطلق ويراد به الحقيقة اللُغوية، وهو مجرد الانقياد والاستسلام، فالحقيقة في كلام المصنف هنا هي الشرعية، والمسلم يطلق على من أظهر الإسلام وإن لم يعلم باطنه، فلا يكون مؤمنا لأنه ممن لم تصدق عليه الحقيقة الشرعية، وأما اللُغوية فحاصلة. انتهى.
وفي الصحيحين، ومسند الإمام أحمد، وجامع الترمذي، وسنن النسائي، عن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «بُني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن ابن عمر -﵄- عن النبي - ﷺ - نحو هذا، قال: وفي الباب عن جرير بن عبد الله - ﵁ -. انتهى.
وقد روى هذا الحديث محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة ولفظه: «بني الإسلام على خمس دعائم» فذكره.
وفي رواية لأحمد: «الإسلام خمس».
وفي رواية لمسلم: «بني الإسلام على خمسة، على أن يوحد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج».
وفي رواية له: «بني الإسلام على خمس، على أن يعبد الله ويكفر بما دونه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان».
وفي رواية للبخاري موقوفة: «بُني الإسلام على خمس، إيمانا بالله ورسوله، والصلوات الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وحج البيت».
[ ١ / ١٥٥ ]
وروى الإمام أحمد، والطبراني، والآجري، عن جرير بن عبد الله البجلي - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «إن الإسلام بني على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان».
وفي المسند، وصحيح مسلم، والسنن، من حديث ابن عمر -﵄- عن عمر - ﵁ - أن جبريل قال للنبي - ﷺ -: أخبرني عن الإسلام، قال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا»، قال: صدقت.
ورواه البخاري، ومسلم، وأهل السنن إلا الترمذي، من حديث أبي هريرة - ﵁ - ولفظه: قال: ما الإسلام؟ قال: «الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان».
ورواه النسائي أيضا من حيث أبي هريرة وأبي ذر -﵄- بنحوه وفيه: «وتحج البيت»، قال: وإذا فعلت ذلك فقد أسلمت؟ قال: «نعم»، قال: صدقت.
ورواه الإمام أحمد، وأبو بكر الآجري، من حديث ابن عمر -﵄- بنحو حديث أبي هريرة وأبي ذر ﵄.
ورواه الآجري أيضا من طرق أخرى عن ابن عمر -﵄- وزاد فيه بعد الحج: «الغسل من الجنابة».
[ ١ / ١٥٦ ]
ورواه الإمام أحمد أيضا وأبو داود، من حديث ابن عمر -﵄- وفيه: «الغسل من الجنابة».
ورواه ابن حبان في صحيحه، والدراقطني في سننه، من حديث ابن عمر -﵄- عن عمر - ﵁ - وفيه: «وتحج، وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وتتم الوضوء»، وقال فيه: فإن فعلت هذا فأنا مسلم؟ قال: «نعم»، قال: صدقت. قال الدراقطني: إسناده ثابت صحيح، أخرجه مسلم بهذا الإسناد.
قلت: إنما ساق مسلم إسناده فقط، وأما المتن فأحال به على ما تقدم قبله.
ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" بإسناد ساقه مسلم ولم يسق لفظه من حديث ابن عمر –﵄- قال: حدثني عمر - ﵁ - فذكر الحديث، وفيه فقال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: «الإسلام أن تسلم وجهك لله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج»، قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ قال: «نعم»، قال: صدقت.
وفي المسند، وسنن النسائي، ومستدرك الحاكم، من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده - ﵁ - أنه قال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: «أن تُسلم قلبك لله، وأن توجه وجهك لله، وأن تصلي الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة ..» الحديث، قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
[ ١ / ١٥٧ ]