ومن خصاله أيضا تبرج النساء، وكذلك اختلاعهن من أزواجهن من غير ضرر؛ لما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «المختلعات والمتبرجات هن المنافقات».
ورواه أبو نعيم في الحلية من حديث ابن مسعود - ﵁ -.
وروى الترمذي، وابن جرير، عن ثوبان - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «المختلعات هن المنافقات» قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي.
وروى ابن جرير أيضا عن عقبة بن عامر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن المختلعات المنتزعات هن المنافقات».
وروى الإمام أحمد من حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - نحوه.
وفي المسند أيضا، والسنن إلا النسائي، عن ثوبان - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «أيما امرأة سألت زوجها طلاقها في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة».
وفي سنن ابن ماجة عن ابن عباس -﵄- أن النبي - ﷺ - قال: «لا تسأل المرأة زوجها الطلاق في غير كنهه فتجد ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما».
ومن خصال النفاق أيضا الثناء على الملوك والأمراء ونحوهم في وجوههم، وإذا خرج قال غير ذلك؛ لما روى البخاري في صحيحه أن أناسا قالوا لابن عمر -﵄-: إنا ندخل على سلطاننا فنقول لهم خلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم. قال: كنا نعدها نفاقا.
[ ١ / ٣٧١ ]
ورواه الإمام أحمد، وابن ماجة من حديث الأعمش: عن إبراهيم، عن أبي الشعثاء قال: قيل لابن عمر -﵄-: إنا ندخل على أُمرائنا فنقول القول، فإذا خرجنا قلنا غيره، قال: كنا نعد ذلك على عهد رسول الله - ﷺ - النفاق.
ورواه أبو نعيم في الحلية من حديث داود بن أبي هند، عن الشعبي قال: قلنا لابن عمر -﵄-: إذا دخلنا على هؤلاء نقول ما يشتهون، فإذا خرجنا من عندهم قلنا خلاف ذاك، قال: كنا نعد ذلك نفاقا على عهد رسول الله - ﷺ -.
ورواه الإمام أحمد أيضا من حديث يزيد بن الهاد، عن محمد بن عبد الله أنه حدثه أن عبد الله بن عمر -﵄- لقي ناسا خرجوا من عند مروان فقال: من أين جاء هؤلاء؟ قالوا: خرجنا من عند الأمير مروان، قال: وكل حق رأيتموه تكلمتم به وأعنتم عليه، وكل منكر رأيتموه أنكرتموه ورددتموه عليه؟ قالوا: لا والله، بل يقول ما يُنكَر فنقول: قد أصبت أصلحك الله، فإذا خرجنا من عنده قلنا: قاتله الله، ما أظلمه وأفجره، قال عبد الله: كنا بعهد رسول الله - ﷺ - نعد هذا نفاقا لمن كان هكذا.
وفي المسند أيضا عن حذيفة - ﵁ - قال: إنكم لتكلمون كلاما إن كنا لنعده على عهد رسول الله - ﷺ - النفاق.
وفي رواية قال: إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله - ﷺ - يصير بها منافقا، وإني لأسمعها من أحدكم في اليوم أو في المجلس عشر مرات.
قلت: إذا كان الأمر هكذا في غرة الإسلام، وأفضل قرون هذه الأمة،
[ ١ / ٣٧٢ ]
فكيف بمن بعدهم إلى زماننا هذا الذي نجم فيه النفاق الأكبر فضلا عن الأصغر، وساد فيه الجهل وأهله، واشتدت غربة السُنَّة فيه، وعاد المعروف بين الأكثرين منكرا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، وصار الأمر طبق ما جاء عن ابن مسعود - ﵁ - أنه قال: «كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير، ويربو فيها الصغير، ويتخذها الناس سُنَّة، فإذا غُيِّرت قالوا: غُيِّرت السنة» قيل: متى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: «إذا كثرت قُراؤكم، وقلت فقهاؤكم، وكثرت أموالكم، وقلت أمناؤكم، والتمست الدنيا بعمل الآخرة، وتفقه لغير الدين» رواه عبد الرزاق، والدارمي، والحاكم في مستدركه، وقال الذهبي في تلخيص المستدرك: هو على شرط البخاري ومسلم، وقد تقدم هذا الحديث في أول الكتاب، وتقدم أيضا عن حذيفة - ﵁ - أنه أخذ حصاة بيضاء، فوضعها في كفة ثم قال: إن هذا الدين قد استضاء استضاءة هذه الحصاة، ثم أخذ كفا من تراب فجعل يذره على الحصاة حتى واراها، ثم قال: والذي نفسي بيده ليجيئن أقوام يدفنون الدين كما دفنت هذه الحصاة. رواه الحافظ محمد بن وضاح في كتاب "البدع والحوادث".
والآثار في هذا المعنى كثيرة جدا، وقد ذكرت منها طرفا في أول الكتاب فليراجع، والله المستعان وعليه التُكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ١ / ٣٧٣ ]