فصل
الصنف الثامن: المنافقون الذين يُظهرون الإيمان ويُبطنون الكفر، ويسمون الزنادقة.
وسئل حذيفة - ﵁ -: ما المنافق؟ قال: الذي يصف الإيمان ولا يعمل به، وفي لفظ: يصف الإسلام ولا يعمل به. رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة"، من طريق أبيه ﵀.
وقال أبو عثمان: كان حذيفة يؤيس المنافق. رواه عبد الله أيضا، من طريق أبيه.
وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا * إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٤٢ - ١٤٦]، وقال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ
[ ١ / ٣٤٠ ]
وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٧ - ٦٨]، والآيات فيهم كثيرة جدا.
وروى الإمام مالك، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي من حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «تلك صلاة المنافق؛ يجلس يرقُب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا» هذا لفظ مسلم، والترمذي، والنسائي.
ولفظ مالك وأبي داود: «تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين؛ يجلس أحدهم حتى إذا اصفرّت الشمس، وكانت بين قرني الشيطان، أو على قرني الشيطان، قام فنقر أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا».
وفي الصحيحين وغيرهما، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار».
وفي رواية: «ولو علم أحدهم أنه يجد عظما سمينا لشهدها» يعني صلاة العشاء. هذا لفظ مسلم.
ولفظ البخاري: «والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء»، قال أبو عبد الله البخاري ﵀
[ ١ / ٣٤١ ]
تعالى: مرماة: ما بين ظلف الشاة من اللحم.
وفي صحيح مسلم، عن أبي الأحوص قال: قال عبد الله؛ يعني ابن مسعود - ﵁ -: لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق قد علم نفاقه، أو مريض، إن كان المريض ليمشي بين رجلين حتى يأتي الصلاة، وقال: إن رسول الله - ﷺ - علَّمنا سنن الهدى، وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه.
وفي رواية: قال عبد الله - ﵁ -: من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم - ﷺ - سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف.
ورواه الإمام أحمد، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجة.
وفي رواية أبي داود: وما منكم من أحد إلا وله مسجد في بيته، ولو صليتم في بيوتكم وتركتم مساجدكم تركتم سنة نبيكم - ﷺ -، ولو تركتم سنة نبيكم - ﷺ - لكفرتم.
وروى أبو نعيم في "الحلية"، من طريق محمد بن أسلم الطوسي، حدثنا قبيصة بن عقبة، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل قال: قال
[ ١ / ٣٤٢ ]
عبد الله بن مسعود - ﵁ -: صلوا الصلوات في المسجد، فإنها من الهدى وسنة محمد - ﷺ -.
وروى الإمام أحمد، عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إن للمنافقين علاماتٍ يعرفون بها؛ تحيّتهم لعنةٌ، وطعامهم نهبةٌ، وغنيمتهم غلولٌ، ولا يقربون المساجد إلا هجرا، ولا يأتون الصلاة إلا دبرا مستكبرين، لا يألفون، ولا يُؤلفون، خشب بالليل، صخب بالنهار».
وذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره، عن كعب الأحبار أنه قال: والله إني لأجد صفة المنافقين في كتاب الله ﷿؛ شرَّابين للقهوات - يعني الخمور - ترّاكين للصلوات، لعّابين بالكعبات، رقّادين عن العتمات، مفرطين في الغدوات، ترّاكين للجماعات، قال: ثم تلا هذه الآية: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩].
وروى أبو نعيم في "الحلية"، عن الحسن البصري رحمه الله تعالى أنه قال: المنافق يقول: سواد الناس كثير، وسيغفر لي، ولا بأس علي، فينسئ العمل، ويتمنى على الله تعالى.
وروى الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي، وابن جرير، عن ابن عمر -﵄- عن النبي - ﷺ - قال: «مثل المنافق كمثل الشّاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرّةً، وإلى هذه مرة».
زاد أحمد والنسائي: «لا تدري أيهما تتبع».
[ ١ / ٣٤٣ ]