فصل
الصنف الخامس: أفراخ الفلاسفة، الذي يُحكّمون عقولهم الفاسدة، ويجعلونها موازين للشرع؛ فما وافقها قبلوه، وما خالفها نبذوه وراء ظهورهم.
ويقولون: إن النبوة مكتسبة، وإنها فيض يفيض على روح النبي إذا استعدت نفسه لذلك، فمن راض نفسه حتى استعدت فاض ذلك عليه، والنبي - ﷺ - عندهم من جنس غيره من الأذكياء الزهاد؛ لكنه قد يكون أفضل.
والملائكة عندهم هي ما يتخيل في نفسه من الخيالات النورانية.
وكلام الله هو ما يسمع في نفسه من الأصوات؛ بمنزلة ما يراه النائم في منامه.
ويجوّزون على الأنبياء الكذب في خطاب الجمهور للمصلحة.
والفيلسوف عند بعضهم أعظم من النبي - ﷺ -، وعند بعضهم أن الرسالة إنما هي للعامة دون الخاصة.
والعبادات كلها عندهم مقصودها تهذيب الأخلاق، والشريعة عندهم سياسة مدنية، إلى غير ذلك من أقاويل الفلاسفة وكفرياتهم.
وقد تعلق بأذيالهم كثير من منافقي هذه الأمة من المتقدمين والمتأخرين إلى زماننا هذا، ووردوا مواردهم الآجنة المُنتنة؛ فمستقل منها ومستكثر، وهم مع انتسابهم إلى الإسلام أضر على الإسلام وأهله من اليهود والنصارى والمشركين، وقد قيل فيهم:
[ ١ / ٢٨٧ ]
الدين يشكو بليه من فرقة فلسفيه
لا يشهدون صلاة إلا لأجل التقيه
ولا ترى الشرع إلا سياسة مدنيه
ويؤثرون عليه مناهجًا فلسفيه
وقد ذُكر لنا عن بعض أتباعهم في هذه الأزمان أنهم لا يصلون إلا للرياضة أو للتقية، وأنهم ينكرون وجود الملائكة؛ وتنزلهم بأمر الله، وتدبيرهم للأمور بإذنه، وبعضهم ينكر كونهم يعقلون؛ وإنما هم عنده بمنزلة الجمادات والنباتات، وينكرون أيضا وجود الجن وصرعهم لبني آدم، إلى غير ذلك مما دخل عليهم من سموم الفلاسفة وجراثيم أمراضهم المهلكة، وكثير من أتباعهم من المتقدمين والمتأخرين قد اتخذوا الشمس والقمر النجوم آلهة يدعونها دون الله، ويطلبون منها ما لا يطلب إلا من الله، وقد صنّف بعضهم في ذلك كتابا سماه "السر المكتوم في السحر ومخاطبة الشمس والقمر والنجوم"، قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: وهذه رِدَّة صريحة. انتهى.
وانظر إلى كثير من كتبهم المصنَّفة في الطب وغيره؛ تجد فيها من تعليم السحر ودعاء الكواكب والشياطين وأنواع الطلسمات شيئا كثيرا، وهم مع هذا ينتسبون إلى الإسلام، ويحسبون أنهم على شيء إلا إنهم هم الكاذبون، ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ * اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾
[ ١ / ٢٨٨ ]