ومن أوضح العلامات التي يعرف بها المنافقون إقدامهم على رد الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي - ﷺ -، وجراءتهم على تكذيبها ومعارضتها بغير مستند صحيح، بل بمجرد الرأي الفاسد والظن الكاذب، وكذلك الطعن في أئمة الحديث الذين أجمع العلماء على إمامتهم وجلالتهم، ووصفهم بالعجمة، ورميهم باختلاق الأحاديث، وأعظم من ذلك الطعن في الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وكل هذا قد رأيناه في كتب لضُلال العصريين، وتعليقات لهم كثيرة، وإنما يفعلون ذلك إذا أعيتهم الأحاديث أن يفهموا معانيها، أو لم يظهر لهم وجه الحكمة منها، وربما يفعلون ذلك إذا عارضت الأحاديث ما فتنوا به مما تلقوه من آراء أعداء الله وقوانينهم وسياساتهم ونظاماتهم، فالله المستعان.
وقد رأيت لبعضهم كلاما سيئا على حديث: «إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه » الحديث، فطعن في الحديث أولًا بغير حجة، ثم قدح في الصحابي الذي رواه، ثم تجاوز ذلك إلى الكلام في النبي - ﷺ - وتخطئته، ومعارضة قوله بكلام الأطباء الكفرة وآرائهم الفاسدة، وهذا عين النفاق عياذا بالله من ذلك (١).
_________________
(١) بعد هذا الكلام ضرب الوالد ﵀ على عدد من الصفحات، وأسقط أربعا منها، وقد أشار ﵀ إلى نقل المكتوب فيها إلى كتابه "إقامة البرهان على نزول عيسى ابن مريم في آخر الزمان". والمضروب عليه والمسقط يبتدئ من أثناء السطر الخامس من صفحة ١١٩ من المخطوط إلى السطر الحادي عشر من صفحة ١٢٦ مع حواشيها وملحقاتها.
[ ١ / ٣٤٨ ]
ومن ذلك تولي أعداء الله من اليهود والنصارى وغيرهم من أصناف الكفار والمشركين، وتفضيل ولاياتهم وسياساتهم وقوانينهم على ولاية المسلمين وسياسة الشرع الشريف وأحكامه، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ٥٠ - ٥١]، وما أكثر الواقعين في هذا أو بعضه من المنتسبين إلى الإسلام في هذه الأزمان، وما أكثر من يميل منهم إلى الحرية الإفرنجية ويؤثرها؛ لتحصيل أغراضه الفاسدة، ونيل شهواته العاجلة من أنواع الفسوق والعصيان، ويكره الولاية الإسلامية التي تمنعه من تعاطي المحرمات، وتؤدِّبه على المخالفات.
ومن علامات المنافقين أيضا بغض الأنصار لما في الصحيحين عن أنس بن مالك - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار».
وفي رواية لمسلم: «آية المنافق بغض الأنصار، وآية المؤمن حب الأنصار».
روى الإمام أحمد، والبخاري في تاريخه، والطبراني، عن سعد بن عبادة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «الأنصار مِحْنة، حبهم إيمان، وبغضهم نفاق».
وروى البخاري في تاريخه أيضا، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «لا يبغض الأنصار إلا منافق».
[ ١ / ٣٤٩ ]
وفي الصحيحين عن البراء - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ -، أو قال: قال النبي - ﷺ -: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله».
وفي المسند، و"التاريخ الكبير" للبخاري، عن معاوية - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أحب الأنصار أحبه الله، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله».
وفي المسند أيضا عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أحب الأنصار أحبه الله، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله».
وفي صحيح مسلم عنه - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر».
وفيه أيضا عن أبي سعيد - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر».
وفي مسند الإمام أحمد عن ابن عباس -﵄- عن النبي - ﷺ -: «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله ورسوله، أو إلا أبغضه الله ورسوله».
ورواه الترمذي ولفظه: أن النبي - ﷺ - قال لي: «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر» قال الترمذي: هذا حديث صحيح.
وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «ما آمن بي من لم يحبني، وما أحبني من لم يحب الأنصار» رواه الدارقطني والبيهقي.
وعن رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب قال: أخبرتني جدتي، عن أبيها - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا يؤمن بالله من لم يؤمن
[ ١ / ٣٥٠ ]
بي، ولا يؤمن بي من لم يحب الأنصار» رواه الدارقطني في سننه.
ومن أوضح الأدلة على بغض الأنصار هجائهم، والرضا بذلك، وتقريره ونشره، وقد أخبرنا من يُوثق به من التلاميذ أن بعض المدرسين من أدعياء العلم أملى عليهم قصيدة الأخطل النصراني في ذم الأنصار وهجائهم، قال: فامتنع بعض التلاميذ من كتابتها وقالوا: هذا هجاء لأصحاب رسول الله - ﷺ - ولا يجوز ذلك، فألزمهم أن يكتبوا ذلك، وأن لا يعارضوه في شيء مما يمليه عليهم، قال: وأملى عليهم أيضا لبعض الشعراء في هجو بعض الصحابة - ﵃ -، ومدح الحجاج وأمثاله من الظالمين.
قلت: وهذا دليل على النفاق، والبغض لأصحاب رسول الله - ﷺ -، وليس العجب من هذا وأمثاله من المغموصين بالنفاق، وإنما العجب من الذين يستجلبونهم من الأماكن البعيدة، ويمكنونهم من إظهار ذلك ونشره بين المسلمين، ومن بث البدع والتكلم بها علانية في المجامع، فالله المستعان وعليه التكلان.
ومن علامات المنافقين أيضا بغض علي - ﵁ -؛ لما في صحيح مسلم عنه - ﵁ - أنه قال: والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة؛ إنه لعهد النبي الأمي - ﷺ - إليَّ أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق.
ورواه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وفي المسند عن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله - ﷺ -
[ ١ / ٣٥١ ]