والعراق، فلا حول ولا قوة إلى بالله العلي العظيم.
ونذكر ههنا إشارة مختصرة عن محيطي الشرك بالله تعالى، ثم نتبعها بذكر ما شابههما في كثرة الأوثان وأمور الجاهلية، ليعرف الموحدون قدر نعمة الله عليهم، وما اختصهم به من معرفته وتوحيده، وفضلهم بذلك على غيرهم، رحمة منه لهم، وفضلا عليهم، فيشكروه على إنعامه، ويذكروه في أنفسهم تضرعا وخيفة، ويتقوه حق تقاته، ويزدادوا له حبا وإجلالا وتعظيما، فإن فضله كان عليهم عظيما.
فأما العراق ففيه مشاهد كثيرة قد اتخذت أوثانا تعبد من دون الله، ويفعل عندها وبها أعظم مما كان أهل الجاهلية يفعلونه عند اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، فمنها: مشهد علي، ومشهد الحسين، ومشهد العباس، ومشهد موسى الكاظم، ومشهد أبي حنفية، ومشهد معروف الكرخي، ومشهد عبد القادر الجيلاني، وغير ذلك من المشاهد، والقبور التي عظمت الفتنة بها، وأدرك بها عدو الله إبليس غرضه من هذه الأمة بعد ما كان قد أيس من ذلك في أول الإسلام، وقد افتتن سُنّية أهل العراق ورافضتهم بتلك المشاهد إلا من شاء الله منهم، وأعادوا بها المجوسية، وأحيوا بها معاهد اللات والعزة ومناة، ونحوها من معبودات أهل الجاهلية، وافتتن بها أيضا غيرهم في كثير من الأقطار الإسلامية كالشام، ومصر، والمغرب، وبلاد العجم، والهند، والبحرين، والقطيف، والأحساء، وغير ذلك من الأمصار المتباعدة، والرافضة يصلون إلى تلك
[ ١ / ٢١٧ ]
المشاهد، ويركعون ويسجدون لمن في تلك الأجداث من الأموات، وينادونهم من قريب وبعيد، يطلبون منهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، ويحجون أيضا إلى تلك القبور، ويطوفون بها، ويستلمون أركانها، ويُقبِّلون حيطانها، ويحلقون الرؤوس عندها، ويقربون لها القرابين، ويصرفون لها من النذور والأموال شيئا كثيرا، ويزعمون أن زيارتهم لعلي وأمثاله أفضل من الحج إلى بيت الله الحرام، وبعضهم يقول أفضل من سبع حجج، وبعضهم يقول أفضل من سبعين حجة، قال الله تعالى في سلفهم: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣ - ١٠٤].
وقد صنف بعض متقدميهم من شيوخ الإمامية كتاب سماه مناسك حج المشاهد، وكثير منهم يرون أن كربلاء خير وأفضل من مكة، وقد ذكر لنا أن كثيرا منهم إذا سافروا لزيارة تلك المشاهد يذهب معهم جملة من النساء الأجانب ممن لهن أزواج وممن لا أزواج لهن، فلا يزال أحدهم يزني بمن معه منهن باسم المتعة من حين يخرجن من بيوتهن إلى أن يرجعن إليها، ولا يرون بذلك بأسا، وهذا لا يستبعد من حمير اليهود، الذين لا غيرة لهم ولا أنفة ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤]، ويشهد لهذا من فعلهم ما ذكره بعض أهل العلم بالإخبار أنهم في بعض المواضع يجتمع رجالهم ونساءهم في ليلة من السنة قيل إنها أول ليلة من برج الحمل
[ ١ / ٢١٨ ]
ويسمون يومها يوم النيروز، وقيل غير ذلك، فيقرأ عليهم بعض طواغيتهم مما لفقوه من السخافات والأكاذيب، ثم يقومون فيرقصون، فإذا فرغوا أطفأوا سراجهم، واختلط الرجال بالنساء، فمن وقع في يده امرأة جامعها ولو كانت أمه، أو بنته، أو أخته، أو غيرهن من محارمه، ويقولون هذا اصطياد مباح، ويخصون طاغوتهم بأحسن امرأة تكون في ذلك المجمع، فتجلس إلى جانبه ليزني بها إذا أطفئ السراج، وكل امرأة تحمل من الزنا في تلك الليلة فولدها سيد عندهم، فما أشبههم بمن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، وهذه البدعة الشنعاء، والفاحشة الصلعاء تسمى عند القرامطة وأتباعهم بالماشوش، وهي موروثة عنهم، وهم أخذوها عن البابكية أتباع بابك الخرمي، ذكر ذلك الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي في تلبيس إبليس، ونقله عنه الحافظ ابن كثير في تاريخه، وذكره غيرهما من أهل العلم بالأخبار، والله أعلم.
وكثير من الرافضة يعبّد أولاده لأهل البيت، فيسميهم عبد علي، وعبد الحسين، وعبد العباس، ونحو ذلك مضاهاة منهم للنصارى في تسميتهم بعبد المسيح، وللمشركين في تسميتهم بعبد العزى، وعبد مناة، وعبد ود، وعبد يغوث، ونحو ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آَتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آَتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ
[ ١ / ٢١٩ ]
يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠ - ١٩٢]، وقال أبو صالح عن ابن عباس -﵄- في قوله تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ﴾ [الإسراء: ٤]، قال: هو تسميتهم أولادهم عبد الحارث، وعبد شمس، وعبد العزى، وعبد الدار ونحوها.
قلت: وكذلك الرافضة قد جعلوا للشيطان نصيبا في أولادهم بتسميتهم إياهم عبيدا لغير الله، فصنيع الرافضة في أولادهم كصنيع النصارى والمشركين سواء بسواء، ولآلهتهم من الحب، والتعظيم، والتوقير، والخشية، والاحترام ما ليس معه شيء لله تعالى، ولو طلب من أحدهم أن يحلف بالله تعالى على الكذب لبادر إلى ذلك بلا مبالاة، ولو طلب منه أن يحلف ببعض أهل البيت لنكص واستعظم الحلف بهم على الكذب، وإذا حزب أحدا منهم أمر، أو نزلت به نازلة فإلى أهل البيت مشتكاه، وهم ملجأه في الشدائد كلها، ومستعاذه، ومستغاثه، ولا يعرف له ملجأ وملاذا سوى أهل البيت، تعالى الله وتقدس وتنزه عن إفكهم وشركهم، لا إله إلا هو ولا رب سواه، قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤٢]، وقد حدثني بعض أصحابنا أنه كان مع الإخوان في بعض غزواتهم التي قاتلوا فيها عبدة تلك المشاهد قال: فلحقت رجلا منهم فضربته بالبندق فصاح مستغيثًا بعلي، وما زال يستغيث به حتى خرجت روحه، نعوذ بالله من سوء الخاتمة، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ
[ ١ / ٢٢٠ ]
فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ * لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٤ - ٧٥]، وقبائح الرافضة ودعاواهم في أهل البيت طويلة عريضة، فلا نطيل بذكرها، والله المسؤول أن يطهر الأرض من أدرانهم وأدران إخوانهم من المشركين الذين هم بربهم يعدلون.
وأعظم أوثان العراق فتنة مشهد علي ومشهد الحسين وهما للرافضة، ومشهد عبد القادر الجيلاني وهو للإسماعيلية وكثير ممن ينتسب إلى السنة، وهم برآء من السنة بل ومن الإسلام بالكلية، والفتنة به قديمة.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه: كان بعض الشيوخ الذين أعرفهم -وله فضل وعلم وزهد- إذا نزل به أمر خطا إلى جهة عبد القادر خطوات معدودات، واستغاث به، قال: وهذا يفعله كثير من الناس وأكبر منه. انتهى.
[ ١ / ٢٢١ ]
وقال محمد رشيد رضا: قد ذكروا في بعض الكتب، وما زالوا يتناقلون أن من أصابته شدة فليصل ركعتين، ثم ليتوجه إلى الشرق؛ أي إلى بغداد، وينادي الشيخ وينشد هذين البيتين في الاستغاثة والاستجارة به:
أيدركني ضيم وأنت ذخيرتي وأُظلم في الدنيا وأنت مجيري!
وعارٌ على راعي الحمى وهو في الحمى إذا ضاع في الهيجا عقال بعير
ويقول: سيدي عبد القادر اقض حاجتي، ويذكرها، قالوا: فإنها تقضى وإن ذلك مُجرَّب، وقد يروون ذلك عنه، برأه الله من شركهم بالله وكفرهم بدينه. انتهى.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى: اشتهر عن ابن كمال بأخبار الثقات أنه يقول: عبد القادر في قبره يسمع، ومع سمعه ينفع، قال الشيخ رحمه الله تعالى: وهذا قول شنيع، وشرك فظيع.
وقال أيضا: وكذلك ما يفعله أهل العراق، والمغرب، والسواحل، والهند من البناء على قبر عبد القادر الجيلاني، وبناء المشاهد لعبادة عبد القادر، كالمشهد الذي في أقصى المغرب، والذي في الهند، وينادونه من مسافة أشهر بل سنة لتفريج كرباتهم، وإغاثة لهفاتهم، ويعتقدون أنه من تلك المسافة يسمع داعيه، ويجيب مناديه، وهو لما كان حيا يسمع ويبصر لم يعتقد أحد فيه أنه يسمع من ناداه من وراء جدار، ثم بعد موته صار منهم بما صار، وهل هذا إلا لاعتقادهم أنه يعلم الغيب، ويقدر على ما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا الذي يفعله هؤلاء مع ما ذكرنا إنما هو من تأله القلوب بهم، وشدة اعتقادهم فيهم، فما أعظم ما وقع من الشرك في كثير من هذه
[ ١ / ٢٢٢ ]