قلت: وقد ذكر بعض الصحفيين من أهل مصر أن الزوار لمولد البدوي في سنة ألف وثلاثمائة وأربع وسبعين بلغوا خمسمائة ألف تقريبا، وأنه تزوج في ذلك المجمع عشرة آلاف تقريبا، وختن فيه من الأطفال أكثر من ذلك، يرجون بذلك البركة من البدوي، فالله المستعان.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن قدس الله روحه: صح عن البدوي أنه ما كان يصلي، بل يبول في المسجد ولا يتطهر. ذكر ذلك السخاوي عن أبي حيان مشاهدة منه لذلك.
قال الشيخ ﵀: وقد افتتن أهل مصر به وبأمثاله من الأموات، فاعتقدوا فيه أنه يفك الأسير إذا دعاه وهو في أيدي الكفار، وينجي من أشفى على الغرق في البحار، ويطفئ الحريق إذا اضطرمت فيه النار، وينادونه من مكان بعيد، وهم لا يعتقدون أن حيًّا مِن الفُضلاء فيهم يسمع ويبصر لا يسمع من ينادونه من فرسخ فأقل، فصار هذا الميت المدفون في مقر الأرض، الذي تقطعت أوصاله في اعتقادهم أنه يسمع مناديه من البحور، ومن هو عنه بمسافة شهور، كما كان أهل العراق يعتقدون ذلك في عبد القادر وغيره، وهل هذا إلا لاعتقادهم أنه حي كحياة الله، وأنه يسمع ويبصر ويقدر ويرحم وينتقم كشأن رب العالمين، وأنه لذلك يعلم الغيب، ويضر وينفع ويقدر على ما لا يقدر عليه إلا الله، وأنهم بعقيدتهم الوثنية يفعلون في مولد البدوي من عظائم الشرك والفساد ما يطول تعداده، إذ يعتقدون عقيدة جازمة أنه يتحمل عن الزناة واللوطية في مولده ذنوبهم؛ بمعنى أنه يُكفّرها عنهم، وبعضهم يسجد على باب حضرته، وبعض المؤذنين
[ ١ / ٢٣٢ ]
بالقاهرة إذا فرغ من الأذان ينادي بأعلى صوته قائلا: يا أبا فراج؛ يعنون بهذه الكنية أن يفرج الكربات، ولا يخفى ما بين القاهرة وقبره من البعد، فإنه في قرية في غربي مصر اسمها طنطا. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وحدثنا صاحب لنا أنه رأى في جبل المقطم مغارة عظيمة، قد عشش عليها بعض الشياطين، وجعلها مزارا للفساق والغوغاء، وبنى في أقصاها بيتا، وجعل عليه بابا وسادنا، وزين للجهال الطغام الذين هم أضل سبيلا من الأنعام أن التمرغ فيه يشفي من الأمراض مهما كانت، ويحبل العواقر ولابد، فافتتن به المصريون فتنة عظيمة، وجعلوا يذهبون إليه لهذه المقاصد، فكل مريض أعياهم دواؤه يذهبون به إلى تلك المغارة، ليتمرغ في ذلك البيت منها كما يتمرغ الحمار، وكل من لم تحمل من النساء تذهب إليه فتتمرغ فيه، وكذلك يصنع الرجل إذا لم يحمل له، قال صاحبنا: دخلت تلك المغارة في سياحتي، وشاهدت هذا البيت في أقصاها، وما يصنع فيه، وذكر أنه لم يبق فيه تراب أبدا من كثرة ما يتمرغ فيه، وقد عاد الصخر في أرضه بسبب التمرغ أملس جدا شبيها بالرخام الأملس، وقد قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٢ - ٦٤]، وقال تعالى عن خليله إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]،
[ ١ / ٢٣٣ ]
وهؤلاء المشركون يطلبون الشفاء والنفع وقضاء الحاجات وتفريج الكربات من الأموات والمغارات والصخور والأتربة، فما أشبههم بمن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
والعجب كل العجب من طوائف ينتسبون إلى السنة والجماعة، ويزعمون التمسك بما كان عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه والتابعون لهم بإحسان، ثم هم مع هذا يخالفون حكم الكتاب والسنة، فيتولون من وصفنا حالهم وذكرنا يسيرا من أفعالهم، ويوادونهم ويبالغون في إكرامهم وتوقيرهم واحترامهم، وهذا يناقض ما زعموه ويهدمه من أصله، قال الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٢٢]، وما أحسن ما قيل:
وما الدين إلا الحب والبغض والولا كذاك البرا من كل غاوٍ ومعتد
* * *
[ ١ / ٢٣٤ ]