المتقابلين الَّذَين لا يخلو موجود عن أحدهما، كما يقول ذلك أكثر المعتزلة ومن وافقهم من غيرهم، وحلولية الجهمية الذين يقولون إنه بذاته في كل مكان، يقول ذلك النجارية أتباع حسين النجار وغيرهم من الجهمية، وهؤلاء القائلون بالحلول والاتحاد من جنس هؤلاء، فإن الحلول أغلب على عُبّاد الجهمية وصوفيتهم وعامته، والنفي والتعطيل أغلب على نظارهم ومتكلميهم، كما قيل: متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئا، ومتصوفة الجهمية يعبدون كل شيء.
وقال الشيخ أيضا: وقد كان سلف الأمة وسادات الأئمة يرون كفر الجهمية أعظم من كفر اليهود كما قال عبد الله بن المبارك والبخاري وغيرهما، وإنما كانوا يلوحون تلويحا، وقلَّ أن كانوا يصرحون بأن ذاته في مكان، وأما هؤلاء الاتحادية فهم أخبث وأكفر من أولئك الجهمية، فإن قول الاتحادية يجمع كل شرك في العالم، وهم لا يوحدون الله ﷾ وإنما يوحدون القدر المشترك بينه وبين المخلوقات، فهم بربهم يعدلون؛ ولهذا حدَّث الثقة أن ابن سبعين كان يريد الذهاب إلى الهند وقال: إن أرض الإسلام لا تَسَعَهُ؛ لأن الهند مشركون يعبدون كل شيء حتى النبات والحيوان، وهذا حقيقة قول الاتحادية. انتهى.
قلت: ومذاهب القائلين بالحلول والاتحاد منتشرة في كثير من الأقطار الإسلامية في هذه الأزمان، وخصوصا في غلاة الرافضة، والصوفية الجهلة الطغام، الذين هم أضل سبيلا من الأنعام.
[ ١ / ٢٨٤ ]
وقد جمع العلامة إبراهيم بن البقاعي الشافعي أقوال العلماء في تكفير إمامي الاتحادية ابن عربي وابن الفارض ومن قال بقولهما في كتابين سمى أحدهما "تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي"، والآخر سماه "تحذير العباد من أهل العناد"، وما زال علماء أهل السنة والجماعة منذ القرن السابع إلى يومنا هذا يُكفِّرون ابن عربي وابن الفارض وابن سبعين والقونوي والتلمساني وأضرابهم، ومَن يقول بقولهم من أهل الحلول والاتحاد والزندقة والإلحاد، والله المسؤول أن يُطهِّر الأرض منهم ومن إخوانهم الوثنيين أعداء الله ورسوله والمؤمنين.
* * *
[ ١ / ٢٨٥ ]