وقال أيضا قدس الله روحه: المشهور من مذهب أحمد وعامة أئمة السنة تكفير الجهمية؛ وهم المعطلة لصفات الرحمن؛ فإن قولهم صريح في مناقضة ما جاءت به الرسل من الكتاب، وحقيقة قولهم جحود الصانع، وجحود ما أخبر به عن نفسه على لسان رسوله - ﷺ -، بل وجميع الرسل، وقال غير واحد من الأئمة: إنهم أكفر من اليهود والنصارى، وبهذا كفّروا من يقول إن القرآن مخلوق، وإن الله لا يُرى في الآخرة، وإن الله ليس على العرش، وإنه ليس له علم ولا قدرة ولا رحمة ولا غضب، ونحو ذلك من صفاته.
وقال أيضا: نفي الصفات كفر، والتكذيب بأن الله لا يُرى في الآخرة كفر، وإنكار أن يكون الله على العرش كفر، وكذلك ما كان في معنى ذلك؛ كإنكار تكليم الله لموسى، واتخاذ الله إبراهيم خليلا. انتهى.
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في الكافية الشافية:
ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان
واللالكائي الإمام حكاه عنـ ـهم بل حكاه قبله الطبراني
فذكر رحمه الله تعالى أن خمسمائة عالم كفَّروا الجهمية.
وقد ذكر عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" جملة منهم، وكان بعض الأئمة يسميهم الزنادقة.
وروي عن عبد الله بن المبارك ويوسف بن أسباط، وغيرهما من أهل العلم والحديث أنهم قالوا: أصول اثنتين وسبعين فرقة هي أربع:
[ ١ / ٢٧١ ]
الخوارج، والروافض، والمرجئة، والقدرية، قيل لابن المبارك: فالجهمية؟ قال: ليست الجهمية من أمة محمد - ﷺ -.
وقال أبو داود في كتاب "المسائل": حدثنا الحسن بن الصباح قال: حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، عن ابن المبارك قال: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية.
ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" عن أحمد بن إبراهيم الدورقي، عن علي بن الحسن بن شقيق، سمعت عبد الله بن المبارك يقول: إنا نستجيز أن نحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستجيز أن نحكي كلام الجهمية.
وروى عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب "السنة" عن سعيد بن عامر الضبعي إمام أهل البصرة علما ودينا -وهو من شيوخ الإمام أحمد- أنه ذكر عنده الجهمية فقال: هم شر قولا من اليهود والنصارى، قد أجمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش، وهم قالوا: ليس على العرش شيء.
وقال أحمد بن سعد الجوهري: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما أحد أضر على أهل الإسلام من الجهمية، ما يريدون إلا إبطال القرآن وأحاديث الرسول - ﷺ -.
وقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى: نظرت في كلام اليهود والمجوس، فما رأيت قوما أضل في كفرهم منهم؛ يعني الجهمية، وإني لأستجهل من لا يُكفِّرهم إلا من لا يعرف كفرهم. ذكره
[ ١ / ٢٧٢ ]
عنه البخاري رحمه الله تعالى في كتاب "خلق أفعال العباد".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وعن أحمد في تكفير من لم يكفر الجهمية روايتان، أصحهما لا يكفر. انتهى.
قلت: وبالتكفير يقول أبو بكر بن عياش، وسفيان بن عيينة، وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، وحكى أبو زرعة وأبو حاتم ذلك عمن أدركاه من العلماء في جميع الأمصار.
قال أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الخالق في كتاب "الورع": سمعت عبد الوهاب الوراق يقول: قال أبو بكر بن عياش: من قال القرآن مخلوق فهو كافر، ومن شك في كفره فهو كافر.
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة": حدثني غياث بن جعفر، سمعت سفيان بن عيينة يقول: القرآن كلام الله، من قال مخلوق فهو كافر، ومن شك في كفره فهو كافر.
وقال الإمام أحمد في رسالته إلى مسدد: كلام الله غير مخلوق، فمن قال مخلوق فهو كافر بالله العظيم، ومن لم يُكفِّره فهو كافر.
وذكر القاضي أبو الحسين في "الطبقات" في ترجمة شاهين بن السميدع أبي سليم العبدي قال: سمعت أبا عبد الله يقول: من قال القرآن مخلوق فهو كافر، ومن شك في كفره فهو كافر.
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم رحمه الله تعالى: سألت أبي وأبا زرعة عن مذهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه أئمة العلم في
[ ١ / ٢٧٣ ]
ذلك؟ فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار؛ حجازا وعراقا، وشاما ويَمنا، فكان من مذهبهم: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته، ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم كفرا ينقل عن الملة، ومن شك في كفره -ممن يفهم ولا يجهله- فهو كافر، ومن وقف في القرآن فهو جهمي، ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، قال أبو حاتم: والقرآن كلام الله وعلمه، وأسماؤه وصفاته، وأمره ونهيه، ليس بمخلوق من جميع الجهات.
وقال أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الخالق في كتاب "الورع": سألت عبد الوهاب -يعني الوراق- عمن لا يُكفِّر الجهمية؛ قلت: يُصلَّى خلفه؟ قال: لا يُصلَّى خلفه، هذا ضال مضل، مُتَّهم على الإسلام.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ومن الجهمية المتفلسفة والمعتزلة يقولون: إن كلام الله مخلوق، وإن الله كلم موسى بكلام مخلوق خلقه في الهواء، وإنه لا يُرى في الآخرة، وإنه ليس مباينا لخلقه، وأمثال هذه المقالات التي تستلزم تعطيل الخالق، وتكذيب رسوله، وإبطال دينه.
وقال أيضا: أصل هذه المقالة -أي التعطيل للصفات- إنما هو مأخوذ من تلامذة اليهود والمشركين وضُلال الصابئين، فإن أول من حُفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام جعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم بن صفوان وأظهرها، فنُسبت مقالة الجهمية إليه، وقد قيل: إن الجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان، وأخذها أبان من طالون بن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي - ﷺ -، وكان
[ ١ / ٢٧٤ ]