إلى المغرب مثل سيرها من المغرب إلى المشرق، وكذلك سيرها من الجنوب إلى الشمال مثل سيرها من الشمال إلى الجنوب، كل ذلك لا يختلف، ولو كان الأمر على ما يزعمه الجغرافيون لكان من في المشرق إذا أراد المغرب رفع طائرته في الهواء، ثم امسكها وقتا يسيرا حتى تصل إليه أقطار المغرب فينزل فيها، وأما من في المغرب فلا يمكنه أن يسير إلى المشرق في مركب جوي أبدا؛ لأنه إذا رفع طائرته عن الأرض فاتته الأرض بسرعة سيرها، هذا على حد زعمهم، وكذلك الذين في الجنوب والشمال لابد أن تفوتهم الأرض بسرعة سيرها، فلا يهتدون إلى موضع قصدوه، ولما كانت هذه التقديرات منتفية، وكان السير في الجو من الأقطار المتباينة مقاربا بعضه بعضا؛ دل ذلك على أن الأرض قارة ساكنة، فقاتل الله زنادقة الجغرافيين الذين خالفوا النقل والعقل جميعا.
ومن كفريات الجغرافيين التي تدرس في كثير من المدارس أيضا، ويعتني بها كثير من الجهال؛ إضافتهم الإيجاد والتكوين في بعض الأشياء إلى الطبيعة لا إلى الفاعل المختار ﷻ.
ومن الجهل الفاضح، وتكذيب الآيات والأحاديث الصحيحة ما زعمه بعض العصريين من كون الملائكة غير عقلاء، وإنما هم عنده بمنزلة الجمادات والنباتات، وفي هذا القول الوخيم أعظم تنقص بالرب ﷻ، حيث ائتمن على وحيه ووكل بكثير من أمور مخلوقاته من لا يعقل، وفيه أيضا تنقص بجميع الأنبياء والمرسلين حيث أخذوا عمَّن لا يعقل، وفيه أيضا تنقص بالقرآن، وجميع الكتب السماوية، وما فيها من الشرائع
[ ١ / ٣٦٦ ]
المنزلة من عند الله تعالى بسفارة الملائكة الكرام، وفيه أيضا تنقص بجميع المؤمنين بالرسل حيث التزموا بشرائع وصدقوا بأمور جاء بها من لا يعقل، هذا ما يقتضيه زعم هذا المبطل، وهو زعم كاذب خاطئ، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾.
والمقصود ههنا التحذير من مكائد أعداء الله ودسائسهم وزخارفهم التي اغتر بها كثير من الناس، حتى آل الأمر ببعضهم إلى تكذيب ما جاء في القرآن والأحاديث الصحيحة، ومعارضة ذلك بآراء أعداء الله وتخرصاتهم، وذلك هو الكفر بعد الإيمان كما تقدم في حديث حذيفة - ﵁ -، وقد قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ * أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٢ - ١١٧]، وقد نصب أعداء الله الحبائل للمسلمين، وكادوهم بأنواع الكيد والمكر والخداع، وزخرفوا لهم الشبهات والشكوك، ونشروا ذلك في الكتب والصحف؛ ليفتنوهم ويردوهم عن دينهم إن استطاعوا، فمن أصغى إلى أقوالهم،
[ ١ / ٣٦٧ ]
وأكبَّ على مطالعة كتبهم وصحفهم فقد عرّض نفسه للبلاء، وألقى بيده إلى التهلكة، ولا يؤمَن عليه أن يقع في كفر أو نفاق أو بدعة، كما وقع ذلك لكثير من المشغوفين بأقوال أعداء الله وآرائهم وتخرصاتهم، والمعصوم من عصمه الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧].
[ ١ / ٣٦٨ ]
فصل