الصحيحة، ونزل ذلك على أحوال المنتسبين إلى الإسلام في زماننا، تبين له أن الإسلام الحقيقي قد عاد غريبا كما بدأ أو أشد غربة، وتبين له أن حاصل إسلام الأكثرين الانتساب والدعوى المجردة، وحينئذ فنقول في الوجه الخامس: إن أكثر المنتسبين إلى الإسلام في هذه الأزمان محتاجون إلى الدعاء إلى الإسلام، والتزام شرائعه، كما دعا رسول الله - ﷺ - أشباههم وسلفهم من أهل الجاهلية، فمن أجاب منهم فهو المسلم له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين، ومن لم يُجب، فإن كانوا جماعة لهم منعة قوتلوا كما قاتل رسول الله - ﷺ - مشركي العرب وأهل الكتاب وكما قاتل الصحابة - ﵃ - مانعي الزكاة وغيرهم من المرتدين عن الإسلام حتى أدخلوهم من الباب الذي خرجوا منه، وأما الأفراد ومن لا منعة لهم فهؤلاء يؤخذون بالتزام أحكام الإسلام الظاهرة ويجبرون على ذلك، ويعامل العصاة منهم بالتأديب الذي يليق بهم، فبعضهم بالتهديد، وبعضهم بالحبس، وبعضهم بالضرب، وبعضهم بأخذ بعض ماله، وبعضهم بالقتل، كل على حسب جُرمه كما هو مقرر معروف في أحكام العصاة والمرتدين، والله المسؤول أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، وأن يظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون، وأن يبعث لهذه الأمة من يجدد لها دينها، دين الحق الذي طمست في زماننا أعلامه، واشتدت غربته ولم يبق منه بين الأكثرين إلا اسمه.
فإن قيل: كل المنتسبين إلى الإسلام يقولون: لا إله إلا الله، وقد قال النبي - ﷺ -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها
[ ١ / ١٨٧ ]
عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله»، وقد أنكر النبي - ﷺ - على أسامة بن زيد -﵄- قتله للرجل بعد ما قال: لا إله إلا الله، فدل على أن من قال: لا إله إلا الله فهو مسلم، معصوم الدم والمال، ولا يضره مع الإتيان بالشهادتين شيء!
قيل: هذه الشبهة قد ابتلي بها أكثر الناس، فظنوا أن مجرد التكلم بالشهادتين مانع من الكفر، عاصم للدم والمال، ولو كان المتكلم بهما مرتكبا ما ينافيهما ويناقضهما، هذا ما يتوهمه كثير من الجهال والضلال، وليس الأمر كما يظنون.
والجواب عن الحديث الأول من وجوه:
أحدها: أنه إنما ورد في حق المشركين الذين يزعمون تعدد الآلهة مع الله تعالى، كما أخبر الله تعالى بذلك عنهم في كثير من الآيات كقوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٩]، ولهذا لما دعاهم النبي - ﷺ - إلى التوحيد أنكروا ذلك وأعظموه وتعجبوا منه، فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]، ثم تواصوا بالصبر والثبات على عبادة الآلهة المتعددة بزعمهم، كما أخبر الله عنهم في قوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٦ - ٧]، والدليل على أن الحديث وارد في حق المشركين ما رواه أبو داود، والنسائي، والدارقطني، عن أنس بن مالك - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال:
[ ١ / ١٨٨ ]
«أُمرت أن أقاتل المشركين حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله - ﷺ -، وصلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبيحتنا، فقد حُرِّمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها» هذا لفظ النسائي، ولهذا كان رسول الله - ﷺ - يدعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله ويقاتلهم على ذلك، فمن قالها منهم دخل بها في الإسلام، وكذلك يدخل في الإسلام بقوله: أنا مسلم، ونحو ذلك مما يدل على إسلامه، وبعد الدخول في الإسلام يكون مطالبا بحقوق الإسلام، وتبقى صحة إسلامه معلقة بالتزام شرائعه، فإن قام بها تَبيّنا صحة إسلامه، وإن تركها تبينا كذبه في دعواه الإسلام، ولم ينفعه مجرد التلفظ بلا إله إلا الله.
يوضح ذلك الوجه الثاني: أن النبي - ﷺ - علّق عصمة الدم والمال في هذا الحديث بشرطين أحدهما: شهادة أن لا إله إلا الله، والثاني: القيام بحقها.
فمن أتى بالشرطين كليهما عصم دمه وماله، ومن امتنع منهما أو من أحدهما فليس بمعصوم الدم والمال؛ لأن الحكم المعلق بشرطين لا يجب بأحدهما والآخر معدوم.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في الكلام على هذا الحديث: فيه منع قتل من قال: لا إله إلا الله ولو لم يزد عليها، لكن هل يصير بمجرد ذلك مسلما؟ الراجح: لا، بل يجب الكف عن قتله حتى يُختبر، فإن شهد بالرسالة والتزم أحكام الإسلام حكم بإسلامه، وإلى ذلك الإشارة بالاستثناء بقوله: «إلا بحق الإسلام». انتهى.
وقال الشيخ حمد بن ناصر بن معمر رحمهم الله تعالى: قال علماؤنا
[ ١ / ١٨٩ ]