[المجادلة: ١٨ - ١٩].
ومن ضرر الفلاسفة على الإسلام وأهله ما ذكره المؤرخون في وقعة بغداد المشهورة في سنة ست وخمسين وستمائة، فقد قيل: إن القتلى بلغوا ألف ألف وثمانمائة ألف، وقيل: ألف ألف، وقيل غير ذلك.
وهذه الملحمة العظيمة لم يجر على أهل الإسلام مثلها، لا قبل ولا بعد، إلى زماننا هذا في أواخر القرن الرابع عشر، وكان ذلك بإشارة عدويّ الإسلام نصير الشرك الطوسي، الفيلسوف الملحد الباطني الإسماعيلي، والوزير ابن العلقمي الرافضي وكيدهما للإسلام وأهله، عاملهما الله تعالى بعدله، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكافية الشافية:
وكذا أتى الطوسي بالحرب الصريـ ـح بصارم منه وسل سنان
وأتى إلى الإسلام يهدم أصله من أُسِّه وقواعد البنيان
عمر المدارس للفلاسفة الأُولى كفروا بدين الله والقرآن
وأتى إلى أوقاف أهل الدين ينـ ـقلها إليهم فعل ذي أضغان
وأراد تحويل الإشارات التي هي لابن سينا موضع الفرقان
وأراد تحويل الشريعة بالنوا ميس التي كانت لدى اليونان
لكنه علم اللعين بأن هـ ـذا ليس في المقدور والإمكان
إلا إذا قتل الخليفة والقضا ة وسائر الفقهاء في البلدان
فسعى لذاك وساعد المقدور بالـ أمر الذي هو حكمة الرحمن
فأشار أن يضع التتار سيوفهم في عسكر الإيمان والقرآن
[ ١ / ٢٨٩ ]
لكنهم يبقون أهل صنائع الـ ـدُّنيا لأجل مصالح الأبدان
فغدا على سيف التتار الألف في مثل لها مضروبة بوزان
وكذا ثمان مئينها في ألفها مضروبة بالعد والحسبان
حتى بكى الإسلام أعداه اليهو دُ كذا المجوس وعابدو الصلبان
فشفى اللعين النفس من حزب الرسو ل وعسكر الإيمان والقرآن
فانظروا أيها المسلمون إلى شدة عداوة الفلاسفة والرافضة للإسلام وأهله، وخبث طويتهم، وكيدهم للمسلمين، وطلبهم الغوائل لهم والشرور، حتى أوقعوا بهم هذا الأمر الفظيع الذي لم يؤرَّخ في الإسلام أشنع ولا أبشع منه، فهذا دليل على أن انتسابهم إلى الإسلام كذب محض، ومكر وخديعة، ليفعلوا بالإسلام مثل ما فعله بولص بالنصرانية، ولهذا قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: ليس الفلاسفة من المسلمين.
ونقل عن بعض أعيان القضاة في زمانه أنه قيل له: ابن سينا من فلاسفة الإسلام؟ فقال: ليس للإسلام فلاسفة.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: الفلاسفة اسم جنس لمن يحب الحكمة ويؤثرها، وقد صار هذا الاسم في عرف كثير من الناس مختصا بمن خرج عن ديانات الأنبياء، ولم يذهب إلا إلى ما يقتضيه العقل في زعمه، وأخص من ذلك أنه في عرف المتأخرين اسم لأتباع أرسطو، وهم المشاؤون خاصة، وهُم الذين هذَّب ابن سينا طريقتهم، وبسطها وقررها، وهي التي يعرفها، بل لا يعرف سواها المتأخرون من المتكلمين. انتهى.
[ ١ / ٢٩٠ ]