فصل
في ذكر إجماع الصحابة - ﵃ - على كفر تارك الصلاة، وسياق أقوالهم في ذلك، وأقوال علماء التابعين، ومن بعدهم، ومن حكى منهم الإجماع على ذلك.
قال الترمذي في جامعه: حدثنا قتيبة، أخبرنا بشر بن المفضل، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: كان أصحاب محمد - ﷺ - لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. إسناده صحيح.
وقد رواه الحاكم في مستدركه، عن أحمد بن سهل الفقيه، حدثنا قيس بن أنيف، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا بشر بن المفضل، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. قال الذهبي: إسناده صالح.
قلت: وهذا حكاية إجماع من الصحابة - ﵃ - على تكفير تارك الصلاة.
وقال ابن زنجويه: حدثنا عمر بن الربيع، حدثنا يحيى بن أيوب، عن يونس بن شهاب قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن عبد الله بن عباس -﵄- أخبره أنه جاء عمر بن الخطاب - ﵁ - حين طُعن في المسجد، قال: فاحتملته أنا ورهط كانوا معي في المسجد، حتى أدخلناه بيته، قال: فأمر عبد الرحمن بن عوف أن يصلي بالناس، قال: فلما دخلنا
[ ١ / ٣٢٢ ]
على عمر بيته غشي عليه من الموت، فلم يزل في غشيته حتى أسفر، ثم أفاق فقال: هل صلَّى الناس؟ قال: فقلنا: نعم، فقال: لا إسلام لمن ترك الصلاة.
وروى مالك في الموطأ، عن هشام بن عروة، عن أبيه أن المسور بن مخرمة -﵄- أخبره أنه دخل على عمر بن الخطاب - ﵁ - في الليلة التي طعن فيها، فأيقظ عمر لصلاة الصبح، فقال عمر: نعم، لا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة. فصلى عمر - ﵁ - وجرحه يثعُبُ دما.
ورواه الدارقطني في سننه، من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن سليمان بن يسار، عن المسور بن مخرمة -﵄- قال: جاء ابن عباس -﵄- إلى عمر - ﵁ - حين طعن، فقال: الصلاة يا أمير المؤمنين، فقال عمر - ﵁ -: إنه لا حظَّ في الإسلام لأحد أضاع الصلاة. فصلى عمر وجرحه يثعُب دما.
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد": حدثنا داود بن عمر، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة وسليمان بن يسار، عن المسور بن مخرمة -﵄- أنه دخل هو وابن عباس على عمر بن الخطاب - ﵁ - فقالا: الصلاة يا أمير المؤمنين -بعد ما أسفر- فقال: نعم، ولا حظّ في الإسلام لمن ترك الصلاة. فصلى والجرح يثعب دما.
ورواه أبو بكر الآجري في كتاب "الشريعة" من حديث الزهري قال: أخبرني سليمان بن يسار أن المسور بن مخرمة -﵄- أخبره خبر طعن عمر - ﵁ -، أنه دخل عليه هو وابن عباس ﵄، فلما
[ ١ / ٣٢٣ ]
أصبح أفزعوه فقالوا: الصلاة الصلاة، فقال: نعم، ولا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة. فخرج والجرح يثعب دما.
ورواه أيضا من حديث جابر بن سمرة، عن المسور بن مخرمة -﵄- قال: دخلت على عمر بن الخطاب - ﵁ - حين طعن فقالوا: الصلاة يا أمير المؤمنين، فقال: الصلاة ها الله إذًا، ولا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة.
فهذا قول الخليفة الراشد الذي وضع الله الحق على لسانه يقول به، وقد قال هذا بمحضر من الصحابة - ﵃ - فلم ينكروه، ولا يعرف عن صحابي خلافه فيكون إجماعا.
وروى ابن أبي شيبة، والبخاري في التاريخ، عن علي - ﵁ - أنه قال: من لم يُصلِّ فهو كافر.
وقال أبو بكر الآجري: حدثنا أبو نصر محمد بن كردي، قال: حدثنا أبو بكر المروزي، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، عن محمد بن إسماعيل، عن معقل بن معقل الخثعمي قال: أتى رجل عليًا - ﵁ - وهو في الرحبة قال: يا أمير المؤمنين، ما ترى في المرأة لا تصلي؟ فقال: من لم يصل فهو كافر.
وقد تقدم قول ابن القيم رحمه الله تعالى أنه قد صح عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - أنه قال: لو تركوها لكانوا كفارا.
وقال ابن رجب رحمه الله تعالى: قال سعد، وعلي بن أبي طالب -رضي
[ ١ / ٣٢٤ ]
الله عنهما-: من تركها فقد كفر.
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة": حدثني أبي، حدثنا وكيع وعبد الرحمن، عن سفيان، عن عاصم، عن ذر، عن عبد الله - ﵁ - قال: من لم يصل فلا دين له.
وقال عبد الله أيضا: حدثني أبي، حدثنا وكيع، حدثنا المسعودي، عن القاسم والحسن بن سعيد قالا: قال عبد الله؛ وهو ابن مسعود - ﵁ -: تركها الكفر.
وقال أبو بكر الآجري: حدثنا أبو نصر محمد بن كردي، قال: حدثنا أبو بكر المروزي، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن المسعودي، عن القاسم قال عبد الله؛ يعني ابن مسعود - ﵁ -: الكفر ترك الصلاة.
وتقدم قريبا ما رواه الإمام أحمد، والبخاري، والنسائي، عن حذيفة - ﵁ - أنه رأى رجلا لا يتم الركوع والسجود، قال: «ما صليت، ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله محمد - ﷺ -».
وروى الحاكم، عن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: من لم يُصلِّ فهو كافر.
وروى محمد بن نصر المروزي، وابن عبد البر، عن ابن عباس -﵄- أنه قال: من ترك الصلاة فقد كفر.
وروى ابن عبد البر، عن جابر - ﵁ - أنه قال: من لم يصل فهو كافر.
وروى أيضا عن أبي الدرداء - ﵁ - أنه قال: لا إيمان لمن لا صلاة له،
[ ١ / ٣٢٥ ]
ولا صلاة لمن لا وضوء له.
وروى البخاري في تاريخه، عن عبد الله بن عمرو -﵄- قال: مَن ترك الصلاة لا دين له.
وروى أيضا عن عبد الله بن عمرو -﵄- أنه قال: من شرب الخمر ممسيا أصبح مشركا، ومن شربه مصبحا أمسى مشركا. فقيل لإبراهيم النخعي: كيف ذلك؟ قال: لأنه يترك الصلاة. ذكر ذلك شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية في كتاب "الإيمان" قال: وقال أبو عبد الله الأخنس في كتابه: من شرب المسكر فقد تعرض لترك الصلاة، ومن ترك الصلاة فقد خرج من الإيمان.
وذكر ابن القيم رحمه الله تعالى، عن أبي محمد ابن حزم أنه قال: قد جاء عن عمر، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي هريرة، وغيرهم من الصحابة - ﵃ -: أن من ترك صلاة فرض واحدة متعمدا حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ولا يعلم عن صحابي خلافهم.
وقال الحافظ عبد الحق الإشبيلي رحمه الله تعالى في كتابه في الصلاة: ذهب جملة من الصحابة - ﵃ - ومن بعدهم إلى تكفير تارك الصلاة متعمدا لتركها حتى يخرج جميع وقتها، منهم: عمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وجابر، وأبو الدرداء، وكذلك روي عن علي - ﵁ -، هؤلاء من الصحابة، ومن غيرهم: أحمد بن
[ ١ / ٣٢٦ ]
حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن المبارك، وإبراهيم النخعي، والحكم بن عتيبة، وأيوب السختياني، وأبو داود الطيالسي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو خيثمة زهير بن حرب. انتهى.
قلت: وهو قول مسروق، والقاسم بن مخيمرة، وذكر الشيخ أبو محمد المقدسي في المغني أنه مذهب الحسن، والشعبي، والأوزاعي، وحماد بن زيد، ومحمد بن الحسن. قال: واختاره أبو إسحاق بن شاقلا، وابن حامد. وذكر شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية أنه اختيار أبي بكر، وطائفة من أصحاب مالك.
وذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أنه قول سعيد بن جبير، وعبد الملك بن حبيب من المالكية، وأحد الوجهين في مذهب الشافعي، وحكاه الطحاوي عن الشافعي نفسه.
قلت: وكذا حكاه عنه الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره.
وروى النسائي في سننه، عن أبي وائل، عن مسروق قال: من شرب الخمر فقد كفر، وكفره أن ليس له صلاة.
وروى سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق في قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ قال: على مواقيتها، فقالوا: ما كنا نرى ذلك إلا الترك، قال: تركها كفر.
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة": حدثني أبي، حدثنا الوليد بن مسلم: سمعت الأوزاعي، عن القاسم بن مخيمرة قال: أضاعوا المواقيت ولم يتركوها، ولو تركوها صاروا بتركها كفارا.
[ ١ / ٣٢٧ ]
وهكذا رواه أبو بكر الآجري، عن جعفر بن محمد الصندلي، عن الفضل بن زياد، عن الإمام أحمد بن حنبل، عن الوليد بن مسلم فذكره، وزاد في أوله ذكر الآية؛ وهي قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾.
وروى أبو نعيم في "الحلية" من طريق أخرى عن الأوزاعي، حدثنا موسى بن سليمان قال: سمعت القاسم يقول في هذه الآية ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ قال: أضاعوا المواقيت، فإنهم لو تركوها كانوا بتركها كفارا.
وروى أسد بن موسى، عن الحكم بن عتيبة أنه قال: من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر.
وروي أيضا عن سعيد بن جبير مثل ذلك. ذكر ذلك شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتاب "الإيمان".
وقال محمد بن نصر: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب قال: ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه. ذكر ذلك الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى في "كتاب الصلاة"، قال: وحكى محمد، عن ابن المبارك قال: من أخّر صلاة حتى يفوت وقتها متعمدا من غير عذر فقد كفر.
وقال علي بن الحسن بن شقيق: سمعت عبد الله يقول: من قال إني لا أصلي المكتوبة اليوم فهو أكفر من حمار.
وقال يحيى بن معين: قيل لعبد الله بن المبارك: إن هؤلاء يقولون: من
[ ١ / ٣٢٨ ]
لم يصم ولم يصل بعد أن يُقرّ به فهو مؤمن مستكمل الإيمان، فقال عبد الله: لا نقول نحن ما يقول هؤلاء، من ترك الصلاة متعمدا من غير علة حتى أدخل وقتا في وقت فهو كافر.
وقال ابن أبي شيبة: قال النبي - ﷺ -: «من ترك الصلاة فقد كفر» فيقال له: ارجع عن الكفر، فإن فعل وإلا قتل بعد أن يؤجله الوالي ثلاثة أيام.
وقال أحمد بن يسار: سمعت صدقة بن الفضل؛ وسئل عن تارك الصلاة فقال: كافر، فقال له السائل: أتطلق منه امرأته؟ فقال صدقة: وأين الكفر من الطلاق؟! لو أن رجلا كفر لم تطلق منه امرأته.
وقال محمد بن نصر المروزي: سمعت إسحاق يقول: صح عن النبي - ﷺ - أن تارك الصلاة كافر، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي - ﷺ - إلى يومنا هذا أن تارك الصلاة عمدا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر.
قال ابن القيم ﵀: ومن العجب أن يقع الشك في كفر من أصر على تركها، ودعي إلى فعلها على رؤوس الملأ، وهو يرى بارقة السيف على رأسه، وشد للقتل، وعصبت عيناه، وقيل له: تصلي وإلا قتلناك، فيقول: اقتلوني ولا أصلي أبدا.
ومن لا يُكفِّر تارك الصلاة يقول: هذا مؤمن، مسلم، يُغسّل، ويُصلَّى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين! وبعضهم يقول: إنه مؤمن كامل الإيمان، كإيمان جبريل وميكائيل! أفلا يستحي مَن هذا قوله مِن إنكاره تكفير من شهد بكفره الكتاب والسنة واتفاق الصحابة - ﵃ -، والله الموفق. انتهى.
[ ١ / ٣٢٩ ]