فصل
وفي البلاد الشامية من النصب والقبور المفتتن بها شيء كثير، ومن أعظم ما هناك فتنةً واعتقادًا فيه قبر ابن عربي الطائي الملحد، إمام الاتحادية وخليفة فرعون الداعي إلى مذهبه، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵏: إن بعض أهل الشام يعتقد فيه مثل ما يعتقده أهل مصر في أحمد البدوي. انتهى.
وأما ما وراء الشام من بلاد الترك فالنصب والأوثان فيها أكثر، وقد حكي أن جمهورهم منذ سنين أجمعوا على رفض الإسلام بالكلية؛ فتركوا الصلاة والأذان وغيرهما من شعائر الإسلام الظاهرة، وأن رئيسهم داس المصحف برجليه وقال: هذا هو الذي أخّرنا عن اللحاق بالأمم الغربية. ولا ندري عن صحة هذه الحكاية، وعلى تقدير صحتها فشؤم ذلك ووباله عليهم وعلى من والاهم ورضي بأفعالهم.
وأما المسلمون فلهم أسوة حسنة في نبيهم محمد - ﷺ -، وقد قال الله تعالى له: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٣ - ٢٤]، ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٦ -
[ ١ / ٢٥٠ ]
١٧٨]، ولهم أيضا أسوة حسنة ﴿فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤].
ونظير هذه الحكاية ما ذكره بعض الأفاضل أنه ورد الأمر من سلطانهم في أواخر القرن الثالث عشر بتعطيل الأذان في الحرمين الشريفين، وإلزام النساء بالسفور، وأن لا يسترن وجوههن عن الرجال الأجانب، وقد رد أهل الحرمين أمره، وأجمعوا على خلافه، ولله الحمد والمنة.
فهذا شاهد لصحة هذه الحكاية، وأنهم يحاولون هدم دين الإسلام من زمن طويل ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَابَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٢ - ٣٣].
والمقصود أن التُرك من أعظم الناس فتنة بالقبور خاصتهم وعامتهم، ومن أكثر الناس بناء عليها، وقد بنوا في العراق قبابا كثيرة باقية إلى الآن، وبنوا في الحجاز كثيرا أزاله الله على أيدي أهل السنة والجماعة ولله الحمد والمنة، وكثير مما كان لهم عليه ولاية في الأزمان الماضية لا يخلو من قباب على القبور من بنائهم مما هو باق إلى الآن، ولم يبق في الحجاز من القباب التي وضعوها على القبور سوى القبة الخضراء على قبر النبي - ﷺ - وقبري صاحبيه ﵄، وقد ذكر بعض المؤرخين أن هذه القبة من أبنية بعض ملوك مصر وهو قلاوون الصالحي المعروف بالملك المنصور
[ ١ / ٢٥١ ]
في سنة ثمان وسبعين وستمائة.
قلت: وقلاوون هذا هو ابن عبد الله التركي، والصالحي نسبه إلى مولاه الملك الصالح نجم الدين أيوب الأيوبي.
ومن ضلال خواصهم وافتتانهم بالقبور، ما ذكره الإمام سعود بن الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود -قدس الله أرواحهم ونور ضرائحهم- في رسالته إلى سليمان باشا قال فيها: وقد رأينا لما فتحنا الحجرة الشريفة -على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- عام اثنين وعشرين -يعني بعد المائتين والألف- رسالة لسلطانكم سليم، أرسلها إلى رسول الله - ﷺ - يستغيث به ويدعوه، ويسأله النصر على الأعداء من النصارى وغيرهم، وفيها من الذل والخضوع والعبادة والخشوع ما يشهد بكذبكم، وأولها: من عُبيدك السلطان سليم، وبعد: يا رسول الله، قد نالنا الضر، ونزل بنا من المكروه ما لا نقدر على دفعه، واستولى عُبّاد الصلبان على عُبّاد الرحمن، نسألك النصر عليهم والعون عليهم، وأن تكسرهم عنا. وذكر كلاما كثيرا هذا معناه وحاصله، فانظر إلى هذا الشرك العظيم، والكفر بالله الواحد العليم، فما سأله المشركون من آلهتهم العزى واللات، فإنهم إذا نزلت بهم الشدائد أخلصوا لخالق البريات، فإذا كان هذا حال خاصتكم، فما الظن بفعل عامتكم؟! وقد رأينا من جنس كلام سلطانكم كتبا كثيرة في الحجرة للعامة والخاصة، فيها من سؤال الحاجات، وتفريج الكربات ما لا نقدر على ضبطه. انتهى.
[ ١ / ٢٥٢ ]
وقد مُحي منذ زمن قريب كثير من الكتابات التركية المرقومة في حوائط المسجد النبوي حين عثر على ما فيها من الشرك بالله العظيم، والله المسؤول أن ييسر هدم القبة الخضراء وتسويتها بالأرض، امتثالا لأمر النبي - ﷺ - بذلك في قوله لعلي - ﵁ -: «لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته»، وأن ييسر إعادة المسجد من ناحية القبر على ما كان عليه في زمن الصحابة - ﵃ - قبل ولاية الوليد بن عبد الملك؛ حتى لا يتمكن أحد من استقباله في الصلاة ولا من الطواف به.
* * *
[ ١ / ٢٥٣ ]