قد اشترى ولده من ذلك الميت الفلاني بكذا، فإذا عاش حتى يبلغ سن الاستقلال دفع ذلك الجعل لمن يعتكف على قبر ذلك الميت من المحتالين لكسب الأموال. انتهى.
وقال الشيخ حسين بن غنام الأحسائي رحمه الله تعالى في كتابه "روضة الأفكار والأفهام": وأما ما يفعل في بلدان اليمن من الشرك فأكثر من أن يحصى، فمن ذلك ما يفعله أهل شرقي صنعاء بقبر عندهم يسمى الهادي، يدعونه ويستغيثون به، وتأتيه المرأة إذا تعسر عليها الحمل أو كانت عقيم، فتقول عنده كلمة قبيحة عظيمة، وأما أهل برع فعندهم البرعي يدعونه، ويأتون إليه من مسيرة أيام لشكاية الحال وطلب الإغاثة، ويقيمون عند قبره، ويتقربون بالذبائح عنده، وأما أهل الهجرية ومن حذا حذوهم فعندهم قبر يسمى ابن علوان تستغيث به العامة، ويسميه غوغاؤهم منجى الغارقين، وأغلب أهل البر منهم والبحر يطربون عند سماع ذكره، ويستغيثون به وإن لم يصلوا إلى قبره، وينذرون له في البر والبحر، ويبالغون في تعظيمه، ويفعلون عند قبره السماعات والموالد، ويجتمع عنده أنواع من المعاصي والمفاسد، وأما حضرموت، والشجر، ويافع، وعدن فعندهم العيدروس يفعل عند قبره السفه والضلال، ويقول قائلهم: شيء لله يا عيدروس، شيء لله يا محيي النفوس.
وأما بلدان السواحل فعند أهل المخا علي بن عمر الشاذلي، أكثرهم يدعوه ويستغيث به، ولا تفتر ألسنتهم عن ذكره قياما وقعودا.
وأما أهل الحديد فعندهم الشيخ صديق، يعظمونه ويغلون فيه، وقد
[ ١ / ٢٤٦ ]
أدى بهم الضلال إلى أنه لا يمكن أحد يريد ركوب البحر، أو يريد النزول منه إلى البر حتى يجيء إليه، ويسلم عليه، ويطلب منه الإعانة والمدد فيما أراده وقصده.
وأما أهل اللحية فعندهم الزيلعي، يعظمونه ويدعونه، ويصرفون إليه جميع النذور، وقبر رابعة عندهم مشهور، لا يحلفون صدق اليمين إلا بها. انتهى المقصود من كلامه باختصار وتصرف في بعض العبارة.
وقد حدثني بعض أصحابنا من طلبة العلم أنه رأى في سياحته في أدنى اليمن أشجارا وأحجارا كثيرة، يعتقد فيها أهل تلك النواحي، ويفعلون بها نظير ما كان المشركون الأولون يفعلونه بذات أنواط وإساف ونائلة، وذكر أنه رأى كثيرا ممن هناك لا يدرون ما صيام ولا صلاة ولا وضوء، إلى غير ذلك مما ذكره عنهم من كثافة الجهل بالإسلام، ومزيد الضلال على الأنعام، وهذا من مصداق ما رواه ابن ماجة، والحاكم في مستدركه عن حذيفة بن اليمان -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب؛ حتى لا يدري ما صيام ولا صلاة ولا صدقة » الحديث، قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره الذهبي في تلخيصه.
وإذا كان الأمر هكذا في أدنى اليمن فما الظن بأقصاه، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وقد روى الشيخان في صحيحيهما، والإمام أحمد في مسنده، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات
[ ١ / ٢٤٧ ]
نساء دوس حول ذي الخلصة، وكانت صنما تعبدها دوس في الجاهلية بتبالة».
وهذا الحديث الصحيح من معجزات النبوة؛ لكونه - ﷺ - أخبر عما سيقع بعده من الافتتان بذي الخلصة وعبادتها من دون الله، فوقع الأمر طبق ما أخبر به صلوات الله وسلامه عليه، فكانت دوس ومن حولها من القبائل ينتابونها ويفعلون عندها وبها نظير ما كان يفعل عندها وبها في الجاهلية، حتى مَنَّ الله تعالى على آخر هذه الأمة بظهور شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ودعوته إلى التوحيد، وتحديد وتجديد ما اندرس من معالم الدين، وسعيه في محو الشرك ووسائله، وما يدعو إليه ويُرغِّب فيه، فبعث إمام الموحدين في ذلك الزمان عبد العزيز بن محمد بن سعود -رحمة الله عليه وعلى من كان السبب في إمامته- جماعة من الموحدين إلى ذي الخلصة، فهدموا بعض بنائها، وبقي بعضه قائما إلى أن ولي الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود على الحجاز وما حولها، فبعث عامله على تلك النواحي سرية في سنة ألف وثلاثمائة وأربع وأربعين أو خمس وأربعين، فهدمت ما بقي من بناء ذي الخلصة، ورمت بأنقاضها في الوادي، فعفا بعد ذلك رسمها وانقطع أثرها، ولله الحمد والمنة.
وقد ذكر بعض الإخباريين عن بعض الذين شاهدوا هدمها أن بناءها كان قويا محكما، وأحجاره كانت ضخمة جدا، بحيث لا يقوى على زحزحة الحجر الواحد أقل من أربعين رجلا، فالحمد لله الذي يسَّر هدمها ومحو أثرها، وأثر غيرها من الأوثان والأشجار والأحجار التي قد اتخذت آلهة
[ ١ / ٢٤٨ ]
تعبد من دون الله، والله المسؤول أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، وييسر محو ما سوى ذلك من المعابد الوثنية، والمعتقدات الجاهلية التي قد عظم شرها والافتتان بها في أكثر الأقطار الإسلامية، إن الله على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.
* * *
[ ١ / ٢٤٩ ]