ولقد أخبرني بعض من يتولى قبض ما ينذر القبوريون لبعض أهل القبور أنه جاء إنسان بدارهم وحلية نسائية، وقال: هذه لسيده فلان -يريد صاحب القبر- نصف مهر ابنتي لأني زوجتها، وكنت ملَّكت نصفها فلانا -يريد صاحب القبر- وهذه النذور بالأموال، وجعل قسط منها للقبر، كما يجعلون شيئا من الزرع يسمونه ثلما في بعض الجهات اليمنية، وهذا شيء ما بلغ إليه عُبّاد الأصنام، وهو داخل تحت قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [النحل: ٥٦] بلا شك ولا ريب.
وأخبرني من أثق به أنه رأى من يسجد على عتبة مشهد الولي الذي يقصده، تعظيما له وعبادة، ويقسمون بأسمائهم، بل إذا حلف من عليه حق باسم الله تعالى لم يقبل منه، فإذا حلف باسم ولي من أوليائهم قبلوه وصدّقوه، وهكذا كان (١) عُبّاد الأصنام. انتهى ملخصا.
وقال العلامة حسين بن مهدي النعمي التهامي ثم الصنعاني رحمه الله تعالى في كتابه "معارج الألباب": طالما شاهدنا عُبّاد أرباب هذه القباب إذا التطمت عليهم أمواج البحر سمعت ذكر الزيعلي، والحداد، وكل يدعو شيخه عند ذلك الاضطراب، ولكل من الجيلاني، وابن علوان، والعيدروس، والحداد وغيرهم من آلهة هذه الطوائف طائفة من العُبّاد -وأطال الكلام رحمه الله تعالى- ثم ذكر ما فشا في العامة من أنواع الشرك، وما صار هجيراهم عند الأموات، من دعائهم، والاستغاثة بهم،
_________________
(١) في الأصل المخطوط (كانت) ولعلها سبقة قلم. ينظر (تطهير الاعتقاد ٢٩].
[ ١ / ٢٣٦ ]
والعكوف حول أجداثهم، ورفع الأصوات بالخوار، وإظهار الفاقة والاضطرار، واللجأ في ظلمات البحر، والتطام أمواجه الكبار، والسفر نحوها بالأزواج والأطفال، والالتجاء المحقق إلى سكان المقابر في فتح أرحام العقام، وتزويج الأرامل والأيامى، واستنزال السحائب والأمطار، ودفع المحاذير من المكاره والشدائد، والإناخة بأبوابها لنيل ما يرام من الحوائج والمقاصد، وبالجملة فأي مطلب، وأي مهرب ترى هنالك ربع المشهد مأهولا، وقد قطعت إليه المهامه وعورًا وسهولًا، والنداء لساكنه أن يمنح أو يريح، والتأدب والخضوع والتوقير والرغبة ومشاعر الرهبة، وينضاف إلى ذلك - خصوصا في الزيارات في الأعياد والموالد - نحر الأنعام وترك الصلاة، وصنوف الملاهي، وأنواع المعاصي للمليك العلام.
وكثيرون لا طمع في حصرهم، ولعلهم العموم إلا من شاء الله إن لم تلد زوجة أحدهم، أو طال مرض مريض منهم، أو أصاب امرأة التوق إلى النكاح، أو قحطت الأرض، أو دهمهم نازل من عدو أو جراد أو غيرهما، أو راموا أمرا عناهم تحصيله، فالولي في كل ذلك نصب العين، وحاصل معتقدهم أن للولي اليد الطولى في الملك والملكوت، فإن العامة في كثير من حالاتهم وتقلبهم قد بدلوا معالم الشرع بسواها؛ فجعلوا الذهاب إلى قبة الشيخ والتضرع له والإلحاح عليه عوضا عن الخروج إلى ظاهر البلد للاستسقاء، وجمهورهم لا يعرف لهذا المقام وظيفة سوى عتبات المشايخ، ولقد سلكوا هذا المسلك في مريض أعيى داؤه، وذليل قهره أعداؤه، وذي سفينة عصفت عليها الرياح، وتجارة امتدت آمال
[ ١ / ٢٣٧ ]
قاصدها إلى نيل الأرباح، فيقول أحدهم: ألتمس بركة الشيخ وكرامته فأنزل بهذا البلد، وبعد ذلك حصلت لنا من الشيخ كرامة أو ما قبلنا أو شبه ذلك.
وحيث إن جماهير من العامة لا يحصون في أقاليم واسعة وأقطار متباعدة ونواحي متباينة- لما كانوا قد نشأوا لا يعرفون إلا ما وجدوا عليه مَن قبلهم من الآباء والشيوخ من هذه العقائد الوثنية والمفاسد، فتجدهم إذا شكى أحدهم على الآخر نازلة نزلت فلعله لا يخطر له في بال إلا: هل قد ذهبت إلى الولي؟ وقد يضرب له الأمثال بأن فلانا كان من أمره كذا، وفلانا كان من أمره كذا، حتى أنسوا بهذا الباب أكثر مما يصفه الواصف، حتى أنَّا شاهدنا ما لا يحصى قدره الآن إذا سقطت دابة أحدهم أو عثر هو، أو بغتته حادثة من هذا القبيل نادى ببديهة الحس: يا هادياه، يا ابن علوان، يا جيلاني.
ومن عجيب ما أتته العامة من طرائف هذا الباب وغرائبه الفاحشة ما شاهدناه بالمعاينة مكتوبا على راية مشهد من المشاهد: هذه راية البحر التيار فلان بن فلان، به أستغيث وأستجير، وبه أعوذ من النار.
ومن ذلك أن حيا من أهل البوادي إذا أرسلوا أنعامهم للمرعى قالوا: في حفظك يا فلان؛ يعنون ساكن مشهدهم، وأنهم إذا أرادوا السفر إلى جهة استأذنوه، والعمل في الجواب على سادن المشهد، حتى إنه اشتد المرض برجل من العامة فشد رحاله إلى قبر الولي يستجير به، أو عنده من الموت، فهلك هنالك، ومنهم من يخاطب الولي بزعمه فيقول: يا خالق الولد الذي تخلقه مطهور، ومنهم أقوام يخاطبون المقبور من مسافة أربعة
[ ١ / ٢٣٨ ]
برد وأكثر من ذلك، وينادونه يسألونه المطر.
وكثيرون لا يدخلون تحت حد الإحصاء إذا كان الحلف باسم الله أقدم عليه الحالف بلا مبالاة، حتى إذا طلب منه الحلف بصاحب القبر -وبالأخص إذا ألزمه محلفه بإمساك حلقة باب النصب- فلا يتجاسر قط إن كانت يمينا فاجرة، وقد لا يرضى المحلوف له إلا بذلك دون الرسم الشرعي، ويعتقد أنه إن أقدم الحالف فإن كان بارا وإلا بادره الولي بالعقوبة العاجلة والبطشة الكبرى، وهذا باب عمّت به البلوى، وأصاب شواظه كثيرا من العامة، لا يرضى من خصمه مثلا إلا باليمين على الشيخ أو به، وساعدهم في ذلك بعض الذين انتصبوا للحكومة بين العباد لجهل بما يلزم الذمة، وكانت منهم تلك المساعدة، أو وقع في الخطر من جهالة العامة، لما أنه صورة تقرير ممن يظنونه أخا علم، فيقول ذلك الحاكم: لا بأس أجبه إلى الحلف على قبر الشيخ، فإن رجع عن الإصرار على اليمين ظن الحاكم أنه قد أتى على الوجه الأحمد، الذي يخرج به الحق ممن هو عليه، وما علم الغافل ما تضمنه مقامه هذا من تبديل حكم الله تعالى وتشريع في الدين لم يأذن به الله، وتقرير لهذه الشناعة في قلوب العامة.
ولقد بلغنا أن رجلا من أهل ذمار ولي القضاء بمدينة بيت الفقيه ابن عجيل في زمن قريب من عصرنا هذا، فتداعى عنده رجلان من أهل الجهة وجبت اليمين على أحدهما، فأراد تحليف خصمه على مشهد الفقيه أحمد بن موسى عجيل عملا بما في باله وعادة من هناك، فقال الحاكم: والله ما يحلف لك إلا في مقامي هذا، فألهم الله الرجل حينئذ الفطرة الإسلامية والطريقة الإبراهيمية.
[ ١ / ٢٣٩ ]
ونمي إلينا بطريق قوي أن رجلا حلف لغريمه أن لا حق له، فبعد ذلك سأله اليمين بمعتقد يسمى شويع، فنكل وسلّم الدين.
وما سقنا هذه الكلمات عن العامة إلا على سبيل المثال، وهذا شيء لا يختص به الواحد والاثنان، ولا البلدة والبلدتان، ولا القطر ولا القطران، بل عمّ أمر المشاهد وعبادة الأموات البلاد من أقصاها إلى أقصاها، حتى آل الأمر إلى أن عاد غصن الشرك غضا طريا، ويبلغنا من ذلك الكثير الذي لا يحويه السطور سوى ما سمعناه وشاهدناه، ونحن ببلد أقل شيء فيها هذا القبيل، وإلا فمن سكن بفرس، والمخا، وصعدة، وغيرها من قطرنا هذا خاصة -كيف سواه- رأى العجب إن كان قلبه حيا.
ومن ذلك أن امرأة كُفّ بصرها ومات ولدها، فنادت وليها: أما الله فقد صنع ما ترى، ولم يبق إلا حسبك فيَّ.
ومن ذلك -وهو من أشهر عجائبهم المعلومة في نواحي البلدان- شراؤهم الأولاد بزعمهم من الميت بشيء معين، فيبقى ثمنه رسما جاريا يؤدى كل عام لصندوق الولي، وإن كانت امرأة فمهرها له، أو نصف مهرها، إذ هي مشتراة منه.
ومن ذلك -وهو من طرائفهم الشهيرة أيضا- ترك أشجار ومراع حول المشهد -لمكان قربها منه- مع الحاجة الشديدة إليها، فتبقى على ممر الأزمان سائبة.
ومن عجائبهم ما حدّث به جمع من أهل الدين أنه وقع في زيارة بعض المشاهد اجتماع خلق كثير من الرجال والنساء والأطفال، فكان هناك
[ ١ / ٢٤٠ ]
من القبائح ما منه السجود للمعتقد، شاهد ذلك الجمع ما ذكر عيانا.
ومن ذلك -وهو من غرائب الانحلال من الدين-: أن جماعة من العامة خرجوا من مسجد بجوار مشهد بعد أن صلوا فريضة من المكتوبات، فدخلوا المشهد، فرفعوا وضموا وركعوا إلى جدار القفص، وأما ما يقع من العامة عند التطام موج البحر، ونازلة باغتة، وجرئيات لا تنحصر -من تبادر بوادرهم إلى دعاء الولي والاستغاثة به، ونسيان الله أو تشريكه فقط- فأمر أوسع من فج البر، ولقد سمعنا وصحّ لنا، بل ما هو إلا التواتر الذي هو أجلى الضروريات، ولقد سمعت من بعض الإخوان أنه كان نازلا بمدينة زبيد في سابق الأيام، وأن بها قوما يقرؤون صحيح البخاري، فإذا فرغوا -إما أحيانا أو مطلقا- ذهبوا إلى مشهد الجبرتي -فيما يغلب على ظني الآن ويحتمل غيره- فيظلون عاكفين هنالك ما شاء الله، وعليهم السكينة، والوقار، وضروب من الخضوع، والتأدب لنازل الحفرة، هل هذا عمل بشيء وجدوه في كتاب البخاري أو غيره، أم ما هو؟!
ومن عجيب أمر العامة نداؤهم المقبور أن ذُبَّ عن قُبَّتك، وافعل ما يشيع به ذكرك في الآفاق، وصار كثير منهم وسيلته عند حبس القطر الذهاب إلى المشهد والعقر فيه وسؤاله، وربما يقول السادن حرصا على الحطام: حُبس القطر بسبب الإساءة أو منعكم نذره مثلا، فإن فعلوا ولم يحصل المطلوب تحدثوا بأنه غائب في مكة مثلا، ولقد تجاسر بعض العامة زعما منه أنه صادق الاعتقاد في الولي أو ذو دراية بما ينبغي له، فقال: والله أما الولي فلان فإنه يُحيي الموتى، أما الولي فلان فإنه حي لا
[ ١ / ٢٤١ ]
يموت، قد والله أقامني هذا الجاثم وسط القبة الذي زعمتم أنه لا يضر ولا ينفع، إنه يفعل ويفعل، ولست أقول لك إن قائل هذه الحوالق واحد.
ومن عجيب أمر العامة تصريحهم في كثير مما يحدثه الله؛ من أمره، وشأنه في عباده وبلاده وملكه، وتقليبه الدهر كيف يشاء، فيقول أحدهم فعل الولي، هذا أمر شهير بينهم.
ومن قولهم في أوليائهم: رد الجراد، وعلق الهرة في رأس الشجرة، يشفي المجانين، يقطع الحمى، يزيل الأمراض المؤلمة، حتى إنهم يقولون إذا قصد البلد الذي معتقدهم فيها فئام من الناس للإفساد فيها، ثم رجعوا عنها، أو توقفوا عن دخولها ردهم الشيخ، وإن فعلوا بغيتهم قالوا مثلا: كان غائبا، أو ساخطا عليهم، أو أية علة اعتلوا بها مما يوحي بها شياطين الإنس والجن.
ومن طريف أخبارهم أن منهم من يمرض، فيلازم المشهد يستجير به من ذلك المرض، ويتوصل إلى زوال ما به من الداء الذي أضناه وخصوصا إذا كان من نوع الماليخوليا أو أمراض العقل، قائلا بلسان الحال والمقال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]، ومنهم من يمكث في المشهد أياما محبوسا بلا صلاة قط، زاعما أنه في حبس الولي وقيده، لا يطلقه إلى لحاجته.
ومن طريف أقوالهم في أوليائهم: إنه يضرب من تظلم منه، أو شكى به إليه، ويعزل الوالي إذا لم يزره، ويهب الولد إذا جومعت المرأة عند مشهده، ويسلب السلاح، ويقيد، ويفك الأسرى والمحبسين، ويهدي الضالين،
[ ١ / ٢٤٢ ]
ويجير القوم، ويترك بنادقهم قصبا، وعاقلهم خنثى لا أنثى ولا ذكر، ويعاقب من أخذ من ضريحه ورقة للتبرك بها في الحال، حتى صار في بعض الجهات أن المرأة لا تدخل عند زوجها حتى تزور الولي، وأن رجلا زعم أن وليا نبه عليه في النوم أن يبني عليه قبة قال: فبنيت خوفا منه.
قلت: وباب تنبيه الأموات كباب تحمل الشيخ الصلاة وغيرها في السعة والشيوع، والله يغلقها كلها بنصر دينه.
ومن عجيب أمرهم أن امرأة جاءت قبرا فجعلت تقول: يا سيدي بعت مالي، ورحلت إليك من مسافة كذا، سألتك بالله أن تشفي ولدي، فإني جارة الله وجارتك.
ومن عجائبهم أنه أُخرب بناء على معتقد من الأموات، فصاحت امرأة: من يشفي لنا مرضانا؟! من يحمي لنا حمانا؟! آها عليك يا شريف، ولما غيرت بعض المعتقدات صاحت العامة: ههنا سادة، غيروا أربابكم، ثم أقبلوا يزفون يقولون: أهكذا فعلتم بأربابنا؟! فنحن الآن نتقرب إليهم بقتلهم، وإنهم أربابنا، ولا نعرف لنا غيرهم، ولا مقعد لنا في هذا المكان إلا بهم.
فهذه قطرة سردناها ليعلم الأغبياء ما صار عليه الحال مما لا يحصى كثرة، وكثير من العامة يتخذ قسطا من مزرعته أو من غنمه لابن علوان، ويقبضه قوم يقال لهم المناصيب، هم من الدعاة إلى الشرك بالله أو رؤوسهم فيحملون العامة بعباراتهم، وتهويلهم، ومسالكهم الشيطانية، ومَن تأخر فليحذر هجوم رسول الشيخ في الليل حتى يذروا القوم بلا
[ ١ / ٢٤٣ ]
قلوب ولا عقول ولا أديان ولا نظر أصلا؛ بل أشباه الأنعام والمجانين يصدقون الكذب، ويعتقدون المعدوم، ويعطون من حرم الله، ويمنعون من أمر الله بإعطائه من الآباء وذوي القربى، فهم بكل هذا يسلخونهم من شعار التوحيد إلى لباس الشرك والتنديد والإعراض عن الله الحميد المجيد، حتى إنك لتجدهم يحاذرون، ويرجون من جهة الشيخ ما لا شيء منه مع باريهم وفاطرهم؛ لجهلهم بحقه دون ما اتخذوه من رسوم الشيخ، ويحرصون على براءة نفوسهم من نذره وإتاوته، والقيام في طاعة وبر وإرضاء من يأتي من قبله من منصوب أو مجذوب وغيرهما، ويطوفون نحو الراية، ويتمسحون بها، ويرجون من كل ذلك نفعا ودفعا، وإذا أتاهم لجهة الله من يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويدعوهم أن ينفقوا في سبيل الله، ويصلوا أرحامهم ويقيموا الصلاة، ويجمعوا ما قدروا عليه -أقل مما يدفعونه إلى المنصوب بكثير- لفقير أو أرملة، أجفلوا وفروا، أو قابلوه بمقابلة مريضة أو كالميتة؛ بلا نشاط ولا رغبة ولا رعاية ولا إقبال قلب، ولا يقومون لله في براءة ذممهم وما علقه تعالى بها من مال وغيره بعضا مما يقومون به للشيخ؛ حتى إن كثيرا منهم ينفق في الزيارة واسع النفقة، ويثابر على أن لا تفوته في مواسمها، ويتهيأ لها برغبة ونشاط، أكثر مما يكون إلى بيت الله الحرام، بل ربما لا يعرف الحج قط مع الاستطاعة، بل ربما كثيرا ما يضيع الصلاة المكتوبة وعدة فرائض؛ إما لاشتغاله بفرض الزيارة الشركية وإما مطلقا، وأما رسوم الشيخ وعاداته فالوفاء حتم لا فكاك منه، فبيعة العقبة للشيخ في أعناقهم خوفا وطمعا؛
[ ١ / ٢٤٤ ]