الأمة، فقد ربا على شرك أهل الجاهلية، فإن أولئك أقروا بتوحيد الربوبية، وجحدوا توحيد الألوهية، وهؤلاء صرفوا خصائص الربوبية والإلهية لغير الله، فالله المستعان. انتهى ملخصا.
وقال المنفلوطي في كتابه "النظرات": كَتَبَ إليَّ أحد علماء الهند كتابا يقول فيه: إنه اطلع على مؤلَّف ظهر حديثا بلغة الهنود، موضوعه تاريخ حياة عبد القادر الجيلاني، وذكر مناقبه، وكراماته، فرأى فيه من بين الصفات والألقاب التي وصف بها الكاتب عبد القادر ولقبه بها صفات وألقاب هي بمقام الألوهية أليق منها بمقام النبوة، فضلا عن مقام الولاية، كقوله: سيد السموات والأرض، والنفّاع الضرّار، والمتصرف في الأكوان، والمطلع على أسرار الخليقة، ومحيي الموتى، ومبرئ الأعمى والأبرص والأكمه، وأمره من أمر الله، وماحي الذنوب، ودافع البلاء، والرافع الواضع، وصاحب الشريعة، وصاحب الوجود التام إلى كثير من أمثال هذه النعوت والألقاب، ويقول الكاتب إنه رأى في ذلك الكتاب فصلا يشرح فيه المؤلف الكيفية التي يجب أن يتكيف بها الزائر لقبر عبد القادر الجيلاني، يقول فيه: أول ما يجب على الزائر أن يتوضأ وضوءا سابغا، ثم يصلي ركعتين بخشوع واستحضار، ثم يتوجه إلى قبة القبر، وبعد السلام على صاحب الضريح يقول: يا صاحب الثقلين أغثني، وأمدني بقضاء حاجتي، وتفريج كربتي، أغثني يا محيي الدين عبد القادر، أغثني يا ولي عبد القادر، أغثني يا سلطان عبد القادر، أغثني يا بادشاه عبد القادر، أغثني يا خوجه عبد القادر، يا حضرة الغوث الصمداني، يا سيدي عبد القادر عبدك ومريدك مظلوم عاجز،
[ ١ / ٢٢٣ ]
محتاج إليك في جميع الأمور؛ في الدين والدنيا والآخرة.
ويقول الكاتب أيضا: إن في بلدة ناقور في الهند قبرا يسمى شاه عبد الحميد، وهو أحد أولاد عبد القادر كما يزعمون، وإن الهنود يسجدون بين يدي ذلك القبر سجودهم بين يدي الله، وإن في كل بلدة من بلدان الهند وقراها مزارا يمثل مزار عبدالقادر، فيكون القبلة التي يتوجه إليها المسلمون في تلك البلاد، والملجأ الذي يلجئون في حاجاتهم وشدائدهم إليه، وينفقون من الأموال على خَدَمته وسدنته وفي موالده وحضراته ما لو أنفق على فقراء الأرض جميعا لصاروا أغنياء.
قال المنفلوطي: هذا ما كتبه إليَّ ذلك الكاتب، ويعلم الله أني ما أتممت قراءة رسالته حتى دارت بي الأرض الفضاء، وأظلمت الدنيا في عيني، فما أبصر مما حولي شيئا حزنا وأسفا على ما آلت إليه حالة الإسلام بين أقوام أنكروه بعد ما عرفوه، ووضعوه بعدما رفعوه، وذهبوا به مذاهب لا يعرفها ولا شأن له بها، أيُّ عين يجمل بها أن تستبقي في محاجرها قطرة واحدة من الدمع فلا تريقها أمام هذا المنظر المؤثر المحزن؟! منظر أولئك المسلمين وهم ركع سجد على أعتاب قبر ربما كان بينهم من هو خير من ساكنه في حياته، فأحرى أن يكون كذلك بعد مماته، أيُّ قلب يستطيع أن يستقر بين جنبي صاحبه ساعة واحدة، فلا يطير جزعا حينما يرى المسلمين أصحاب دين التوحيد أكثر من المشركين إشراكا بالله، وأوسعهم دائرة في تعدد الآلهة وكثرة المعبودات؟! والله لن يسترجع المسلمون سالف مجدهم إلا إذا استرجعوا ما أضاعوه من عقيدة التوحيد، وإن طلوع الشمس من مغربها،
[ ١ / ٢٢٤ ]
وانصباب ماء النهر في منبعه أقرب من رجوع الإسلام إلى سالف مجده ما دام المسلمون يقفون بين يدي الجيلاني كما يقفون بين يدي الله، ويقولون له: أنت المتصرف في الكائنات، وأنت سيد الأرضين والسموات، بمن أستغيث؟ وبمن أستنجد؟ ومن الذي أدعوه لهذه الملمة (١) الفادحة؟ أأدعو علماء مصر وهم الذين يتهافتون على يوم الكنيسة تهافت الذباب على الشراب؟ قال في الهامش يوم الكنسة: يوم يذهب فيه علماء الدين إلى ضريح الإمام الشافعي للتبرك بكنس ترابه- قال المنفلوطي: أم علماء الأستانة وهم الذين قتلوا جمال الدين الأفغاني ليُحيوا أبا الهدى الصيادي شيخ الطريقة الرفاعية؟ أم علماء العجم وهم الذين يحجون إلى قبر الإمام كما يحجون إلى بيت الله الحرام؟ أو علماء الهند وبينهم أمثال مؤلف هذا الكتاب؛ يعني الكتاب المصنف في مناقب الجيلاني؟ يا قادة الأمة ورؤسائها، عذرنا العامة في إشراكها وفساد عقائدها، وقلنا: إن العامي أقصر نظرا وأضعف بصيرة، فما عذركم أنتم وأنتم تتلون كتاب الله، وتقرؤون صفاته ونعوته، وتفهمون معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقوله مخاطبا نبيه: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ [الأعراف: ١٨٨]، وقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]؟! إنكم تقولون في صباحكم ومسائكم، وغدوكم ورواحكم: كل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف، فهل تعلمون أن السلف الصالح كانوا يخصصون قبرا
_________________
(١) في المخطوط [الملة]، والتصحيح من النظرات ٢/ ٦٩ ط. دار الشروق العربي.
[ ١ / ٢٢٥ ]