أو يتوسلون بضريح؟ وهل تعلمون أن واحدا منهم وقف عند قبر النبي - ﷺ - أو قبر أحد من أصحابه وآل بيته يسأله قضاء حاجة أو تفريج هم؟ وهل تعلمون أن الرفاعي، والدسوقي، والجيلاني، والبدوي أكرم عند الله وأعظم وسيلة إليه من الأنبياء، والمرسلين، والصحابة، والتابعين؟ وهل تعلمون أن النبي - ﷺ - حينما نهى عن إقامة الصور والتماثيل نهى عنها عبثا ولعبا، أم مخافة أن تعيد للمسلمين جاهليتهم الأولى؟ وأي فرق بين الصور والتماثيل، وبين الأضرحة والقبور ما دام كل منهما يجر إلى الشرك، ويفسد عقيدة التوحيد؟ والله ما جهلتم شيئا من هذا، ولكنكم آثرتم الحياة الدنيا على الآخرة، فعاقبكم الله على ذلك بسلب نعمتم وانتقاض أمركم، وسلّط عليكم أعداءكم يسلبون أوطانكم ويستعبدون رقابكم ويخربون دياركم، والله شديد العقاب. انتهى كلامه باختصار، ولقد أجاد في هذا الموضع وأفاد.
وفيما ذكرت ههنا عن المحيط الشرقي كفاية.
وأما المحيط الغربي ففي بلاد مصر وأعمالها، وهي شقيقة العراق في كثرة الأوثان والطواغيت التي تعبد من دون الله، وقد جمعت من الأمور الشركية والعبادات الوثنية والدعاوي الفرعونية ما لا يتسع له كتاب، كيف لا؟! وقد باض فيها إبليس وفرّخ، وبسط عليها عبقريه، وفيها مشهد أحمد البدوي، وهو أعظم الأوثان المصرية فتنةً، ويضاهي مشهد الحسين، وعبد القادر الجيلاني في كثرة الإشراك به، وفي كثرة من ينتابه من قريب وبعيد، يطوفون حوله ويتمسحون بأحجاره، ويسجدون على عتبته،
[ ١ / ٢٢٦ ]
ويدعونه رغبا ورهبا، يرجون منه قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وينفقون في زيارته ومولده وعلى سدنته من الأموال ما لا يحصى كثرة، فما أشبههم بمن قال الله تعالى فيهم: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ [الأنفال: ٣٦]، ويجعلون له نصيبا مما رزقهم الله تعالى من الأموال والأولاد، ويقربون له القرابين، ويذبحونها على اسمه، وما يجعلون له من أولادهم إما تمليكا له، أو شراء منه بزعمهم، فإن كان ذكرا دفعوا ثمنه لصندوق السحت، أو جعلوه رسما جاريا للصندوق كل عام، وإن كان بنتا فله مهرها أو نصفه أو جزء معلوم منه، قال الله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٥٦]، وقد استباحوا عند مشهده من المنكرات والفواحش ما لا يمكن حصره ولا يستطاع وصفه، واعتمدوا في ذلك على الحكايات والخرافات والجهالات التي لا تصدر عمن له أدنى مسكة من عقل، فأولئك كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون.
ومن الأوثان المصرية التي عظم افتتانهم بها، وافتتن بها غيرهم أيضا مشهد الحسين، والرفاعي، والدسوقي، والحنفي، ونفيسة، وزينب، وأمثالهم من المعتقدين المعبودين من دون الله، وقد جاوزوا بهم ما ادعاه المشركون الأولون لآلهتهم، وجمهورهم يرون لهم أو لبعضهم من تدبير الربوبية، والتصرف في الكون بالمشيئة، والقدرة العامة ما لم ينقل مثله عن أحد من أهل الجاهلية الذين بعث إليهم رسول الله - ﷺ -، ولا عمن قبلهم من أئمة الكفر والضلال كالفراعنة والنماردة، وبعضهم يقول: يتصرف في
[ ١ / ٢٢٧ ]
الكون سبعة، وبعضهم يقول أربعة، وبعضهم يقول: قطب يرجعون إليه، وكثير منهم يرى أن الأمر شورى بين عدد ينتسبون إليه، تعالى الله وتقدس عما يقول الظالمون الجاحدون علوا كبيرا، قال الله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ * لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢١ - ٢٢].
وقد ذكر محمد رشيد رضا أن في بعض كتب الرفاعية أن أحمد الرفاعي كان يُفقر ويُغني، ويُسعد ويُشقي، ويُميت ويُحيي، وفيها أن السموات السبع في رجله كالخلخال. انتهى.
قلت: ومن هذا الهوس والجنون ما ذكر عن بعض شياطينهم المتقدمين أنه قال: رأيت لهاتي الفوقانية فوق السموات، وحنكي تحت الأرضين، ونطق لساني بلفظة لو سُمعت مني ما وصل إلى الأرض من دمي قطرة. وهذا اللفظة هي التي تكلم بها إمامهم فرعون، كما ذكرها الله عنه في سورة النازعات، وكان فرعون مع قلة عقله أعقل منهم، فلم يقل إنه التقم السموات والأرض، ولا أن السموات في رجله كالخلخال، ونحو هذا الهذيان والسخف الذي يضحك منه السفهاء والصبيان فضلا عن العقلاء.
قال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله تعالى: قال شيخنا الشيخ عبد اللطيف قدس الله روحه: من وقف على كتاب مناقب الأربعة المعبودين بمصر وهم البدوي، والرفاعي، والدسوقي، ورابعهم فيما أظن أبو العلاء، فقد وقف على ساحل كفرهم، وعرف صفة إفكهم، قال: وقد اجتمع جماعة من الموحدين من أهل الإسلام في بيت رجل من أهل مصر،
[ ١ / ٢٢٨ ]
وبقربه رجل يدَّعي العلم، فأرسل إليه صاحب البيت فسأله بجمع من الحاضرين، فقال له: كم يتصرف في الكون؟ قال: يا سيدي سبعة، قال: من هم؟ قال: فلان، وفلان، وعد أربعة من المعبودين بمصر، فقال صاحب الدار لمن بحضرته من الموحدين: إنما بَعثتُ لهذا الرجل وسألته لأعرفكم قدر ما أنتم فيه من نعمة الإسلام، أو كلاما نحو هذا.
قال: وقد ذكر هذا شيخ الإسلام في منهاجه عن غلاة الرافضة في علي، فعاد الأمر إلى الشرك في توحيد الربوبية والتدبير والتأثير، ولم يبلغ شرك الجاهلية الأولى إلى هذه الغاية، بل ذكر الله جل ذكره أنهم يعترفون له بتوحيد الربوبية ويقرون به، ولذلك احتج عليهم في غير موضع من كتابه بما أقروا به من الربوبية والتدبير على ما أنكروه من الإلهية.
قال الشيخ: وحدثني سعد بن عبد الله بن سرور الهاشمي ﵀ أن بعض المغاربة قدموا مصر يريدون الحج، فذهبوا إلى الضريح المنسوب إلى الحسين بالقاهرة، فاستقبلوا القبر، وأحرموا، ووقفوا، وركعوا، وسجدوا لصاحب القبر، حتى أنكر عليهم سدنة المشهد وبعض الحاضرين، فقالوا: هذا محبة في سيدنا الحسين، وذكر بعض المؤلفين من أهل اليمن أن مثل هذا وقع عندهم.
قال: وحدثني الشيخ خليل الرشيدي بالجامع الأزهر أن بعض أعيان المدرسين هناك قال: لا يُدق وتد في القاهرة إلا بإذن أحمد البدوي، قال: فقلت له: هذا لا يكون إلا لله! أو كلاما نحو هذا، فقال: حبي في سيدي أحمد البدوي اقتضى هذا. انتهى المقصود مما نقله الشيخ سليمان عن
[ ١ / ٢٢٩ ]
شيخه الشيخ عبد اللطيف رحمهما الله تعالى.
وقال محمد رشيد رضا: ومن كلمات خواصهم التي سمعت من بعض قضاة الشرع وغيرهم من أهل العلم، قولهم عند القبر المنسوب إلى الحسين: يا سيدي العارف لا يُعرَّف. انتهى.
ومعنى قول أولئك المشركين "العارف لا يعرَّف": أن صاحب القبر يعلم الغيب، ويعرف ما تكنه صدور سائليه من الحاجات التي يرجون منه قضاءها، وما يخافونه من المكاره التي يرجون منه أن يدفعها عنهم، ومجرد وقوفهم عنده راغبين أو راهبين يكفيهم عن البيان له؛ لعلمه بأحوالهم وما في أنفسهم على زعمهم الكاذب، سبحانه وتعالى عما يشركون، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [القصص:٦٩].
وقد تقدم ما ذكره المنفلوطي من تهافت علماء مصر على يوم الكنيسة تهافت الذباب على الشراب، فإذا كان حال خاصتهم من العلماء والقضاة وغيرهم ما ذكرنا، فكيف تكون حال العوام؟! فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولهذا لما ادَّعى بعض دجاجلتهم منذ بضع سنين أنه رب العالمين تبعه واستجاب له فئام منهم، قيل إنهم ثمانون ألفا، ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾، ويستثنى من علمائهم أفراد قليلون، لهم مقامات في الإرشاد، والدعوة إلى التوحيد، والتحذير من ضده، وجهاد الوثنيين بالقلم واللسان، ولهم في ذلك كتب وتعليقات
[ ١ / ٢٣٠ ]
كثيرة معروفة، جزاهم الله خيرا، ونصرهم على أعداء الدين، وثبت أقدامهم، وكثرهم، فأما الأكثرون من الخاصة والعامة فكما ذكر عنهم المنفلوطي وغيره ممن تقدم ذكرهم.
وقال العلامة حسين بن مهدي النعمي اليمني رحمه الله تعالى: ومن طرائف ما يحكى أن رجلا سأل من فيه مسكة من عقل فقال: كيف رأيت الجمع لزيارة الشيخ؟ فأجابه: لم أر أكثر منه إلا في جبال عرفات، إلا أني لم أرهم سجدوا لله سجدة قط، ولا صلوا مدة الثلاثة الأيام فريضة! فقال السائل: قد تحمَّلها عنهم الشيخ، قال ابن النعمي ﵀: وباب قد تحمل عنهم الشيخ مصراعاه ما بين بصري وعدن، قد اتسع خرقة، وتتابع فتقه، ونال رشاش زقومه الزائر والمعتقد، وساكن البلد والمشهد، وهو أمر شهير في العامة، فقل أي ملة -صان الله ملة الإسلام- لا يمانعها كل ذلك، ولا يدافعها. انتهى.
قال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله تعالى: حدثني الشيخ إسحاق -يعني ابن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى-: أنه رأى أيام رحلته إلى مصر للطلب هذا المجمع العظيم الذي يسمونه مولد أحمد البدوي، فذكر أنه أعظم مما رآه في جبال عرفات، قال: ورأيت فيه سوقا طويلا للبغايا اللاواتي أوقفن أنفسهن للزنا في هذا المجمع صدقة لسيدهم أحمد البدوي، وليس هذا بعجيب ولا غريب من فعلهم، فإنه يجري منهم في ذلك الجمع من الكفر بالله والإشراك به ما لم يصل إلى ساحله كفر أبي جهل وأشياعه، فالله المستعان. انتهى.
[ ١ / ٢٣١ ]