العصرية وأخبار الإذاعات وما شاكل ذلك من الجهل الذي قد ظهر وثبت وبث ونث في مشارق الأرض ومغاربها، وشاع بين الخاصة والعامة، وشغف به الكبير والصغير، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وأما الزنا فقد جعل له أسواق معروفة في أكثر الأقطار الإسلامية وما يفعل في غير الأسواق أكثر وأكثر، وكذلك الخمر قد فشا شربها وبيعها علانية، فالله المستعان.
الحديث السادس والأربعون: عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يتقارب الزمان، وينقص العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرج» قالوا: يا رسول الله، أيما هو؟ قال: «القتل القتل» متفق عليه.
وقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في معنى قوله: «يتقارب الزمان» وفي ذلك أقوال كثيرة ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في "فتح الباري" جملة منها، والظاهر -والله أعلم- بمراد رسوله - ﷺ - أن ذلك إشارة إلى ما حدث في زماننا من المراكب الأرضية والجوية والآلات الكهربائية التي قربت كل بعيد، والمعنى على هذا يتقارب أهل الزمان كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] يعني أهل القرية، والعير يعني أصحاب العير، وكقوله - ﷺ -: «أيما قرية عصت الله ورسوله فإن خمسها لله ورسوله» ونظائر ذلك كثيرة جدا في كلام الله تعالى وكلام رسوله - ﷺ - ولغة العرب، ولولا خشية الإطالة لذكرت أمثلة كثيرة.
وفي جامع الترمذي عن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، وتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة،
[ ١ / ٦٢ ]
وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كالضرمة بالنار» قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه.
وهذا الحديث ينطبق على سير المراكب الأرضية في هذه الأزمان، فإنها تقطع مسافة السنة في شهر فأقل، ومسافة الشهر في جمعة فأقل، ومسافة الجمعة في يوم فأقل، ومسافة اليوم في ساعة فأقل، ومسافة الساعة في مثل احتراق السعفة، وبعضها أسرع من ذلك بكثير، وأعظم من ذلك المراكب الجوية فإنه هي التي قربت البعيد غاية التقريب بحيث صارت مسافة السنة تقطع في يوم وليلة أو نحو ذلك، وأعظم من ذلك الآلات الكهربائية فإنها قد بهرت العقول في تقريب الأبعاد بحيث كان الذي في أقصى المشرق يخاطب مَن في أقصى المغرب، وبحيث كان الجالس عندها يسمع كلام مَن في أقصى المشرق ومَن في أقصى المغرب، ومَن في أقصى الشمال ومَن في أقصى الجنوب وغير ذلك من أرجاء الأرض في دقيقة واحدة كأن الجميع حاضرون عنده في المجلس، فالمراكب الأرضية والجوية قربت الأبعاد من ناحية السير، والآلات الكهربائية قربت الأبعاد من ناحية التخاطب وسماع الأصوات، فسبحان من علم الإنسان ما لا يعلم.
وقد جاءت الإشارة إلى ما حدث في هذه الأزمان من المخترعات العجيبة فيما رواه الإمام أحمد والطبراني والحاكم من حديث سمرة بن جندب - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تقوم الساعة حتى تروا أمورا عظاما لم تحدثوا بها أنفسكم».
[ ١ / ٦٣ ]
وفي رواية الحاكم: «يتفاقم شأنها في أنفسكم وتساءلون بينكم هل كان نبيكم - ﷺ - ذكر لكم منها ذكرا» الحديث، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ويشهد له ما في الصحيحين من حديث أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قام على المنبر فذكر الساعة، وذكر أن بين يديها أمورا عظاما.
ورواه الإمام أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه بإسناده مسلم.
وقد وقع الأمر طبق ما في حديث سمرة فتفاقم شأن هذه المخترعات العجيبة في أنفس العامة وكثر تساؤلهم هل كان النبي - ﷺ - ذكرها أو أشار إليها؟!
والجواب: أن يقال: نعم، قد أشار إليها على طريق الإجمال في هذه الأحاديث التي ذكرنا، ونحو ذلك ما في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «لتتركن القلاص فلا يسعى عليها»، والقلاص جمع قلوص وهي الناقة الشابة، وقيل: هي الباقية على السير، وعلى هذا القول فالقلوص من الإبل ما أُعدَّ للأسفار وكان قويا عليها سواء كان شابا أو مُسنّا، وهذا أقرب إلى مدلول الحديث، وإن كان القول الأول أشهر في اللغة.
وقد ظهر مصداق هذا الحديث في زماننا فترك السعي على الإبل بسبب المراكب الجوية والأرضية، حتى الأعراب الذين هم أهل الظعن على الإبل وكثرة الأسفار عليها قد تركوا السعي على الإبل إلا قليلا منهم، فصلوات الله وسلامه على نبينا محمد المصطفى الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا
[ ١ / ٦٤ ]
وحي يوحى.
وروى ابن مردويه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: «من أشراط الساعة تقارب الأسواق».
وفي حديث النواس بن سمعان - ﵁ - في ذكر الدجال قالوا: يا رسول الله، وما إسراعه في الأرض؟ قال: «كالغيث استدبرته الريح» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن.
وفي صحيح ابن حبان عن عبد الله بن عمرو -﵄- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على سروج كأشباه الرحال، ينزلون على أبواب المساجد» الحديث، ورواه الحاكم بلفظ: «سيكون في آخر هذه الأمة رجال يركبون على المياثر حتى يأتوا أبواب مساجدهم» وسيأتي الحديث بتمامه قريبا إن شاء الله تعالى.
والرِّحال: جمع رحل وهي الدور والمنازل، والمياثر: جمع مِيثرة بكسر الميم، وهو ما كان وطيئا لينا مما يجلس عليه ويرتفق به، قال الخطابي والهروي وغيرهما من أهل اللغة: هي من مراكب العجم، قال الهروي: وتعمل من حرير أو ديباج وتتخذ كالفراش الصغير وتحشى بقطن أو صوف يجعلها الراكب تحته. انتهى.
وهذا الحديث ينطبق على السيارات، فإنها تشبه الدور الصغار، وفيها مياثر وطيئة لينة، وكثير من المترفين يركبونها إلى المساجد وخصوصا في الجمعة والعيدين.
إذا عُرف هذا فالإجمال في هذه الأحاديث قد صار كالتفصيل عند مَن
[ ١ / ٦٥ ]
أدرك ذلك وشاهده وكان له أدنى علم ومعرفة، ولعل النبي - ﷺ - إنما ترك التفصيل خشية أن يفتتن بسببه من لم يرسخ الإيمان في قلبه كما وقع مثل ذلك في قصة الإسراء لما أخبرهم النبي - ﷺ - أنه أسري به إلى بيت المقدس ورجع في ليلته؛ فأنكر ذلك المشركون، وارتد ناس ممن آمن به وصدقه، وهو - ﷺ - إنما أخبرهم عن أمر خارق للعادة، وإذا كان المشركون قد أنكروا الإسراء بالنبي - ﷺ - إلى بيت المقدس، فكيف لو أخبرهم أن بني آدم يصنعون في آخر الزمان مراكب تسير في البر ومراكب تسير بهم في الهواء، وتذهب من الحجاز إلى الشام وترجع في ساعتين فأقل، وأن أهل الشام ومصر والعراق والهند ونحوها من الأقطار البعيدة يسافرون من بلادهم للحج يوم عرفة فيدركون الوقوف مع الناس بعرفة، وكذلك لو أخبرهم أن أهل الأرض يتخاطبون بواسطة آلات يتخذونها كما يتخاطب أهل البيت الواحد؛ فيكلم الذي في أقصى المشرق من كان في أقصى المغرب كما يكلم الجالس عنده وبالعكس، ويستمع الإنسان إلى الألسن المختلفة في مشارق الأرض ومغاربها وهو جالس في مجلسه، ونحو ذلك مما لا تحتمله أكثر العقول البشرية دون أن ترى ذلك عيانا وتقف على حقيقته، فلو وقع الإخبار بذلك مفصلا لم تُؤمَن الفتنة على أهل الإيمان الضعيف، فكان من حكمة الشارع الحكيم أن أخبر بذلك مجملا بما أغنى مَن شاهده عن التفصيل .. والله أعلم.
الحديث السابع والأربعون: عن عبد الله بن مسعود، وأبي موسى -﵄- قالا: قال النبي - ﷺ -: «إن بين يدي الساعة لأياما ينزل فيها الجهل،
ويرفع فيها العلم، ويكثر فيها الهرج، والهرج القتل» متفق عليه، وفي رواية
[ ١ / ٦٦ ]
للبخاري: «بين يدي الساعة أيام الهرج يزول فيها العلم، ويظهر فيها الجهل» قال أبو موسى: والهرج: القتل بلسان الحبشة.
الحديث الثامن والأربعون: عن عمرو بن تغلب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن من أشراط الساعة أن يفيض المال، ويكثر الجهل، وتظهر الفتن، وتفشو التجارة» رواه الإمام أحمد، والحاكم من طريقه، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وإسناده على شرطهما صحيح، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
وقد رواه النسائي في سننه بزيادة ونقص عما هنا.
وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده ولفظه: «إن من أشراط الساعة يكثر التجار ويظهر القلم».
الحديث التاسع والأربعون: عن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما، اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» رواه الإمام أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجة.
وفي رواية لأحمد والشيخين عنه - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاهموه انتزاعا؛ ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم
[ ١ / ٦٧ ]
فيضلون ويضلون» هذا لفظ البخاري.
الحديث الخمسون: ما أخرجه يعقوب بن شيبة من طريق الحارث بن حصيرة، عن زيد بن وهب قال: سمعت عبد الله بن مسعود - ﵁ - يقول: «لا يأتي عليكم يوم إلا وهو شر من اليوم الذي كان قبله حتى تقوم الساعة، لست أعني رخاء من العيش يصيبه، ولا مالا يفيده ولكن لا يأتي عليكم يوم إلا وهو أقل علما من اليوم الذي مضى قبله، فإذا ذهب العلماء استوى الناس، فلا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، فعند ذلك يهلكون».
ومن طريق أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود - ﵁ - إلى قوله: «شر منه» قال: فأصابتنا سنة خصب فقال: ليس ذلك أعني، إنما أعني ذهاب العلماء.
ومن طريق الشعبي عن مسروق عنه قال: «لا يأتي عليكم زمان إلا وهو أشر مما كان قبله، أما إني لا أعني أميرا خيرا من أمير، ولا عاما خيرا من عام، ولكن علماؤكم وفقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفا ويجيء قوم يفتون برأيهم».
وفي لفظ عنه من هذا الوجه: «وما ذاك بكثرة الأمطار وقلتها؛ ولكن بذهاب العلماء، ثم يحدث قوم يفتون في الأمور برأيهم فيثلمون الإسلام ويهدمونه»، ذكر هذه الطرق كلها الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وهذا لا يقال من قبل الرأي، فلعل ابن مسعود - ﵁ - سمعه من النبي - ﷺ -.
الحديث الحادي والخمسون: عن علي - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -:
[ ١ / ٦٨ ]
«كيف بكم إذا فسق فتيانكم، وطغى نساؤكم؟» قالوا: يا رسول الله، وإن ذلك لكائن؟! قال: «نعم وأشد، كيف أنتم إذا لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر؟» قالوا: يا رسول الله، وإن ذلك لكائن؟ قال: «نعم وأشد، كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟» قالوا: يا رسول الله، وإن ذلك لكائن؟ قال: «نعم وأشد، كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرا والمنكر معروفا؟» قالوا: يا رسول الله، وإن ذلك لكائن؟ قال: «نعم» رواه رزين.
الحديث الثاني والخمسون: عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قيل: يا رسول الله، متى يُترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم» قلنا: يا رسول الله، وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: «الملك في صغاركم، والفاحشة في كباركم، والعلم في رذالتكم» رواه ابن ماجة وقال: قال زيد -يعني ابن يحيى بن عبيد الخزاعي أحد رواته-: تفسير معنى قول النبي - ﷺ -: «والعلم في رذالتكم»: إذا كان العلم في الفُسَّاق، قلت: وسيأتي عن ابن مسعود - ﵁ - ما يؤيد ذلك.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": وأخرج ابن أبي خيثمة من طريق مكحول عن أنس - ﵁ - قيل: يا رسول الله، متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل، إذا ظهر الإدهان في خياركم، والفحش في شراركم، والملك في صغاركم، والفقه في رذالكم».
[ ١ / ٦٩ ]