فقال: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت»، وقال: «من حلف بغير الله فقد أشرك»، وقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله»، ولهذا اتفق العلماء على أنه ليس لأحد أن يحلف بمخلوق كالكعبة ونحوها، ونهى النبي - ﷺ - عن السجود له وقال: «لا يصلح السجود إلا لله»، ونهى النبي - ﷺ - عن اتخاذ القبور مساجد فقال في مرض موته: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يُحذِّر ما فعلوا، وقال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد»، وقال: «لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا، وصلوا عليّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني»، ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور، ولا تشرع الصلاة عند القبور، بل كثير من العلماء يقول: الصلاة عندها باطلة، وذلك أن من أكبر أسباب عبادة الأوثان كان التعظيم للقبور بالعبادة ونحوها، ولهذا اتفق العلماء على أن من سلّم على النبي - ﷺ - عند قبره أنه لا يتمسح بحجرته ولا يقبلها؛ لأن التقبيل والاستلام إنما يكون لأركان بيت الله الحرام، فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق، وكذلك الطواف، والصلاة، والاجتماع للعبادات إنما تقصد في بيوت الله وهي المساجد التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، فلا تقصد بيوت المخلوقين فتتخذ عيدا كما قال - ﷺ -: «لا تتخذوا بيتي عيدا» كل هذا لتحقيق التوحيد الذي هو أصل الدين ورأسه، الذي لا يقبل الله عملا إلا به، ويغفر لصاحبه، ولا يغفر لمن تركه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا
[ ١ / ٢٠٣ ]
عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨]، ولهذا كانت كلمة التوحيد أفضل الكلام وأعظمه، فأعظم آية في القرآن آية الكرسي ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ﴾، وقال - ﷺ -: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة»، والإله الذي يألهه القلب عبادة له، واستعانة، ورجاء له، وخشية، وإجلالا، وإكراما. انتهى كلامه رحمه الله تعالى مُلخَّصا.
فتأمل كلام هذا الإمام من أوله إلى آخره، وتأمل قوله فيمن غلا في نبي، أو رجل صالح، أو من يُعتقد فيه الصلاح، وجعل فيه نوعا من الإلهية، أو صرف له شيئا من خصائص الربوبية أنه يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتل، فإن هذا مطابق لما دلت عليه الأحاديث الصحيحة التي تقدم ذكرها في أول الوجه الرابع، وإنما أبيح قتله لمخالفته لمعنى شهادة التوحيد لا إله إلا الله، وتركه لأعظم حقوقها وهو إفراد الله بالعبادة.
وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبابطين رحمه الله تعالى: من جعل نوعا من أنواع العبادة لغير الله كالدعاء، والسجود، والذبح، والنذر، وغير ذلك فهو مشرك، ولا إله إلا الله متضمنة للكفر بما يعبد من دونه؛ لأن معنى لا إله إلا الله إثبات العبادة لله وحده، والبراءة من كل معبود سواه، وهذا معنى الكفر بما يعبد من دونه، قال: وقول النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح: «من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يُعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله» فقوله: «وكفر بما يعبد من دون الله» الظاهر أن هذا زيادة إيضاح؛ لأن لا إله إلا الله متضمنة الكفر بما يعبد من دون الله، ومن قال: لا إله إلا الله ومع ذلك يفعل الشرك الأكبر كدعاء الموتى، والغائبين، وسؤالهم قضاء
[ ١ / ٢٠٤ ]