شُرِعَ الإشهاد على عقد النكاح لكونه من ألوان الإعلان عن قيام الرابطة الزوجية الشرعية بين رجل وامرأة، وذلك للتفرقة بين النكاح الشرعيّ القائم على الأسس الإسلامية وبين السفاح الذي يحدث في السر أو تحت جنح الظلام، ثم ليكون ذلك حمايةً للحقوق المترتبة على قيام هذه العلاقة، سواء أكانت حقوقًا مالية، أم متعلقة بما ينشأ عنها من النسل؛ من حيث كفالته وإثبات نسبه، وغير ذلك من الحقوق.
وإذا كان القصد من الإشهاد هو الإعلان، فهل يمكن الاستغناء عن الإشهاد إذا توفر الإعلان بطريق آخر؟
يذهب عدد كبير من الصحابة والتابعين والفقهاء إلى ضرورة الإشهاد على العقد، فلا ينعقد إلّا بشاهدين لما روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: "لانكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل، وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل" ١ كما روى
_________________
(١) ١ رواه ابن حبان في صحيحه، والبيهقي ٧/ ١٢٥، والدارقطني في "سننه"، والروايات الأصح والأثبت بغير ذلك الشاهدين، ويروى عن ابن عباس من قوله كما رجحه الطبراني، والدارقطني، والبيهقي. وانظر الإرواء ١٨٥٨.
[ ١٢٧ ]
الدارقطني عن عائشة -﵂، عن النبي -ﷺ- أنه قال: "لا بد في النكاح من أربعة: الولي والزوج والشاهدين"١، ولأنه يتعلق به حق غير المتعاقدين وهو الولد، فاشترطت الشهادة فيه لئلَّا يجحده أبوه فيضيع نسبه٢.
ومقابل رأي الجمهور السابق، ذهب بعض الفقهاء إلى صحة انعقاد النكاح بغير شاهدين، مستدلين بأن عددًا من الصحابة تزوج بغير شهود، منهم ابن عمر، والحسن بن علي، وابن الزبير، وسالم وحمزة ابنا ابن عمر -﵃. وقد قال ابن المنذر: لا يثبت في الشاهدين في النكاح خبر، وقال أيضًا: قد أعتق النبي -ﷺ- صفية ابنة حيي فتزوجها بغير شهود، وقال أنس بن مالك -﵁: "اشترى رسول الله -ﷺ- جارية بسبعة رءوس، فقال الناس: ما ندري أتزوجها رسول الله -ﷺ- أم جعلها أم ولد؟ فلما أن أراد أن يركب حجبها، فعلموا أنه تزوجها" متفق عليه، قال: فاستدلوا على تزويجها بالحجاب٣.
_________________
(١) ١ الدارقطني، وقال أبو الخصيب مجهول، واسمه نافع بن ميسرة. ٢ المغني جـ٦/ ٤٥٠، ٤٥١، الهداية جـ٣/ ١٩٠، حاشية العدوي على الكفاية جـ٢/ ٣٤، والمحلى على المنهاج جـ٣/ ٢١٩. ٣ المغني جـ٦/ ٤٥٢، حاشية العدوي على الكفاية جـ٢/ ٣٤، قال مالك: ينعقد العقد، لكن لا بد من الشهود العدول قبل الدخول، وإلا استكثروا من الشهود كالثلاثين والأربعين، أي: لكي يحصل الإعلان.
[ ١٢٨ ]