مراعاة الترتيب في من يلي أمر النكاح من الأولياء من الأهمية بمكان؛ لأنه قد يترتب على عدم مراعاته بطلان عقد النكاح، كما إذا عقد الأبعد مع وجود الأقرب، وليس لديه مانع من مباشرة العقد، لذلك ينبغي الاهتمام بهذا؛ لما يترتب على مخالفته من المخاطر على عقد النكاح.
لاتساع هذا الموضوع وتشعبه سنحاول الإشارة إلى أهم مواضع الاتفاق والاختلاف فيه بين المذاهب. ونأمل في المستقبل أن نرجع إليه في بحث خاصٍّ إن شاء الله تعالى.
مواضع الاتفاق:
١- إن الأولوية في ولاية النكاح بالنسبة للحرة إنما هي للعصبة من النسب، وهم الأقارب من جهة الأب.
٢- إن الشقيق يقدَّم على ذي الأب في حواشي النسب، وذلك إن كانت الولاية فيهم، فيقدَّم الأخ الشقيق على ذي الأب فقط، ويقدَّم ابن الأخ الشقيق على ذي الأب فقط، وهكذا وذلك على المعول عليه في المذاهب المختلفة.
٣- إن للسلطان دورًا في التزويج، ولكنه يأتي بعد الولاية الخاصة.
أما مواضع الخلاف فمن أهمها ما يلي:
١- يذهب جمهور الفقهاء إلى أن الابن وابنه لهما دور في التزويج على اختلافٍ بينهم في موضع أحقيته، ويذهب أكثرهم إلى تقديم الابن وابنه على الأب في ولاية النكاح، بينما يذهب بعضهم إلى تقديم الأب على الابن وابنه، وهناك فريق ثالث يذهب إلى حرمان الابن وابنه من ذلك الحق بمحض البنوة، لكن إن كان
[ ١١٥ ]
أحدهما أميرًا أو قاضيًا أو عصبًا للمرأة مثلًا، فإنه يعطى الحق بهذه الصفة الأخيرة ولا تضره البنوة.
دليل الأكثر: ما ورد في السنة من تزويج عمر بن أبي سلمة لأمه أم سلمة من رسول الله -ﷺ، والشاهد فيه قولها: فقالت: إنه ليس أحد من أوليائي شاهد، قال -ﷺ: "إنه ليس أحد شاهد ولا غائب إلا سيرضى"، فقلت: يا عمر، قم فزوج رسول الله -صلى الله عليه وسلم١، وفي رواية أخرى: "مري ابنك أن يزوجك" فأثبت له ولاية لأنه كان شاهدا.
وكذلك ما روي في قصة زواج أم سليم من أبي طلحة -﵄، وقيام أنس -وهو ابنها- بذلك، والشاهد فيها قولها: "يا أنس زوج أبا طلحة"٢.
وقد استدل الذين حرموا الابن من الولاية على أمه بعدم وجود مشاركة بينها وبينه في النسب؛ إذ انتسابها إلى أبيها، والابن ينتسب إلى أبيه، فلا يعتني بدفع العار عن النسب٣.
وأما ما ورد في تزويج عمر بن أبي سلمة لأمه -على فرض صحته، فإنما كان ببنوة العم؛ لأنه من بني أعمامها.
وقد استدل الذي قدَّم الأب على الابن بأن الولد موهوب لأبيه، قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ ٤، وفي الحديث "أنت ومالك لأبيك" ٥، وإثبات ولاية الموهوب له على الهبة أولى من العكس، ولأن الأب أكمل شفقة وأتم نظرًا بخلاف الميراث٦.
_________________
(١) ١ السنن الكبرى للبيهقي جـ٧/ ١٣١، والحديث سبق. ٢ السنن الكبرى جـ٧/ ١٣٢. ٣ مغني المحتاج جـ٣/ ١٥١. ٤ سورة الأنبياء الآية رقم ٩٠. ٥ ابن ماجه ٢٩٩١، والطحاوي في مشكل الآثار ٢/ ٢٣٠، وصححه البوصيري، وعبد الحق الأشبيلي ثم الشيخ الألباني. ٦ كشاف القناع جـ٥/ ٥٠.
[ ١١٦ ]
ولعل هذا الرأي هو أظهر الآراء في هذه القضية؛ لأن من أهم آثار الولاية على المرأة في النكاح هو النظر في مصلحتها العاجلة والآجلة المتوقعة من وراء هذا النكاح، وأقدر الطرفين على القيام بهذه المهمة هو الأب، لا سيما بعد أن قطع هذه المرحلة الطويلة من العمر فازداد معرفةً بالحياة، واتسعت خبرته بالناس والأشياء، كما أن من شأنه أن يتريث في اتخاذ القرار.
وهذا بخلاف الابن الذي يكون في هذه المرحلة شابًّا لم يعرك الحياة ولم يختبر الناس، وحينئذ تكون خبرته بشئون الحياة محدودة، يغلب عليه الاندفاع وسرعة اتخاذ القرار، وهذا يتنافى مع ما يجب أن يكون عليه الولي في اتخاذ القرار في شئون الزواج.
٢- كذلك من أهم مواضع الخلاف: مدى أحقية القرابة من الأم في ولاية النكاح؛ إذ يذهب جمهور الفقهاء إلى أن ولاية النكاح إنما هي للعصبة، فإن عدمت فللسلطان، وذلك لقول ابن عباس -﵄: "ليس للنساء من عقد النكاح شيء، جعلت ميمونة أمرها إلى أم الفضل، فجعلته أم الفضل إلى العباس، فأنكحها رسول الله -ﷺ". رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه يعقوب بن حميد بن كاسب وهو ثقة وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات، ورواه أبو يعلى بنحوه، إلّا أنه قال: "إن النبي -ﷺ- خطب ميمونة فجعل أمرها إلى العباس"١ ولهم أدلة أخرى.
ومن قال بأن ذوي الأرحام يفوض إليهم أمر النكاح بعد العصبات، لاشتراكهم في الميراث ولتوفر الشفقة لديهم٢، فهو قياس في مقابلة النص فلا ينهض للاحتجاج.
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد للهيثمي جـ٤/ ٢٨٧. ٢ العناية على الهداية جـ٣/ ١٨٢ مع فتح القدير.
[ ١١٧ ]