أ- تعريف الكفاءة:
الكفاءة في اللغة: المماثلة والمقاربة.
وأما في الشرع: فهي كون الزوج مساويًا للزوجة أو أعلى منها في أمور مخصوصة.
ب- هل الكفاءة حق للمرأة أو لوليها أو لله تعالى؟
يرى بعضهم أن الكفاءة حق للمرأة والأولياء معًا؛ مثل: الشافعية والحنابلة١، واختلف قول المالكية؛ فمنهم من يراها للمرأة الثيب دون وليها، ومنهم من يراها للزوجة ووليها، ومنهم من يراها حقًّا لله تعالى، قال صاحب البهجة: وبه القضاء. والمشهور أنها حق للزوجة والولي٢، ويرى الحنفية أنها حق للولى فقط٣.
وقد ذهب الثوري وأبو الحسن الكرخي وأبو بكر الجصاص وعدد من علماء العراق إلى عدم اعتبارها في النكاح أصلًا٤
جـ- هل الكفاءة معتبرة في جانب الزوجة أو في جانب الزوج؟
جمهور العلماء على أن الكفاءة معتبرة في جانب الزوج وغير معتبرة في جانب الزوجة، وعند صاحبي أبي حنيفة تعتبر في جانب الزوج والزوجة معًا٥
ويستدل الجمهور بأن النبي -ﷺ- لا مكافئ له وقد تزوج من أحياء العرب وتزوج
_________________
(١) ١ المحلى على المنهاج جـ٣/ ٢٣٣، والمغني جـ٦/ ٤٨١. ٢ البهجة على التحفة لابن عبد السلام التسولي جـ١/ ٢٦١. ٣ الدر المختار مع حاشية ابن عابدين جـ٣/ ٨٥. ٤ حاشية ابن عابدين جـ٣/ ٨٦. ٥ الدر المختار على حاشية ابن عابدين جـ٣/ ٨٥.
[ ١٦٧ ]
صفية بنت حيي، وتسرَّى بالإماء وقال:$"من كانت عنده جارية فعلَّمها وأحسن تعليمها وأحسن إليها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران" متفق عليه.
ولأن الولد يشرف بشرف أبيه لا بأمه فلم يعتبر ذلك في الأم١.
هـ- هل الكفاءة شرط في صحة النكاح؟ وهل يبطل بفقدانها؟
يرى بعض المالكية وبعض الحنابلة وبعض الحنفية أنها شرط صحة يبطل العقد بفقدها٢، أما الجمهور فيرى أنها حق يجوز تركه، فلو رضيت المرأة وأولياؤها بزواجها من فاسق سكّيرٍ يؤمن عليها منه صحَّ النكاح٣، ويرى الحنفية أنها معتبرة للزوم النكاح٤.
ومواقف العلماء من الأمور المعتبرة في الكفاءة:
يذهب الحنفية إلى اعتبارها في النسب والإسلام والحرفة والحرية والديانة والمال والقدرة على الجماع٥.
ويذهب المالكية في المعتمد عندهم على إلى أنها معتبرة في التدين؛ أي: كونه ذا دين غير فاسق، والسلامة من العيوب، ونقل عن ابن القاسم أنها معتبرة في المال أيضًا، لكنهم قالوا: إن شرط السلامة من العيوب حق للمرأة وليس للأولياء فيه كلام، وكذلك لهم في كفاءة العبد للحرة رأيان٦.
ويذهب الشافعية إلى أن المعتبر في خصال الكفاءة خمسة، وهي السلامة من العيوب المثبتة للخيار مثل "الجنون أو الجذام أو البرص"، والحرية والنسب
_________________
(١) ١ المغني جـ٦/ ٤٨٧. ٢ البهجة على التحفة للتسولي جـ١/ ١٦١، والمغني جـ٦/ ٤٨١، وحاشية ابن عابدين جـ٣/ ٨٦. ٣ الشرح الكبير للدردير جـ٢/ ٢٤٩، والمغني جـ٦/ ٤٨١. ٤ الدر المختار مع الحاشية جـ٣/ ٨٦. ٥ الدر المختار مع الحاشية جـ٣/ ٨٦، ٨٧. ٦ الشرح الكبير جـ٣/ ٢٤٩، ٢٥٠.
[ ١٦٨ ]
"فالعجمي ليس كفئًا لعربية، وغير القرشي من العرب ليس كفئًا لقرشية، وكذلك غير الهاشمي والمطلبي من قريش ليس كفئًَا للهاشمية والمطلبية، والعفة: "فليس الفاسق كفئًا للعفيفة"، والحرفة "فصاحب حرفة دنيئة ليس كفئًا لبنت صاحب حرفة رفيعة ولو نسبيًّا "فالخياط والتاجر لا يكافئان ابنة العالم والقاضي نظرًا للعرف في ذلك".
والأصح عندهم: أن اليسار لا يعتبر؛ لأن المال غادر ورائح ولا يفتخر به أهل المروءات والبصائر، ومقابله يعتبر؛ لأنه إن كان معسرًا تضررت هي به وبعدم إنفاقه عليها وعلى الولد١.
وعند الحنابلة: أن المعتبر في الكفاءة "على الرواية التي تذهب إلى اشتراط الكفاءة" هو الدين والنسب. وروى الإمام أحمد أيضًا: أنها تعتبر في الحرية والصناعة واليسار٢.
والحق أن من يعطي الزوجة وأولياءها الحق في التمسك بالكفاءة والمساواة في النسب والمال ونحوه إنما ينظرون إلى غايةٍ ساميةٍ وحكمة جديرة بالتأمل، وذلك أن عقدة النكاح تتم على أساس الارتباط الدائم، فلا بُدَّ للزوجية الصالحة من التوافق في الطبع، والتلاؤم في الوضع، والتشابه في المركز الاجتماعي، والتقارب في المستوى الثقافي، حتى نضمن للزوجين حياةً مستقرةً هادئةً ملؤها الود والإخلاص وقوامها الاحترام والتقدير.
أما إذا كان الزوج دون الزوجة حالًا وأقل مالًا وأحط نسبًا وأدنى ثقافةً وعلمًا؛ فهيهات أن يكون هناك انسجام ووئام، وهيهات أن يمضي يوم بدون شقاق وخصام، وهيهات أن يرفع الرجل أمام المرأة رأسًا، أو يظهر -وهو القوام عليها- حمية وبأسًا، وبذلك تسوء الحال، ويكون أمر هذه الزوجية إلى زوال.
_________________
(١) ١ المحلى على المنهاج جـ٣/ ٢٣٤، ٢٣٥، ٢٣٦. ٢ المغني جـ٦/ ٤٨٢.
[ ١٦٩ ]
وقد ساعد هذا الفريق على هذا الاتجاه ما نُقِلَ عن عددٍ من السلف أنهم كانوا يراعون ذلك أو يدعون إليه باعتباره أمرًا واقعًا يقتضيه الطبع أو تمليه ظروف البيئة، ومن ذلك:
١- ما ذكره أبو إسحاق الهمداني قال: خرج سلمان وجرير في سفرٍ، فأقيمت الصلاة، فقال جرير لسلمان: تقدَّم أنت، قال سلمان: بل أنت تقدم، فإنكم معشر العرب لا يُتَقَدَّمُ عليكم في صلاتكم، ولا تنكح نساؤكم، إن الله فضلكم علينا بمحمد -ﷺ، وجعله فيكم١.
٢- ما نقل عن عمر بن الخطاب -﵁: "لأمنعن تزوج ذوات الأحساب إلّا من الأكفاء"٢.
ويلاحظ هنا أن الكفاءة عند الجمهور ليست ضربة لازب لا محيد عنها ولا مناص منها، وإنما هي سلاح في يد المرأة التي يراد تزويجها، كما أن بعضها سلاح في يد وليها.
فإذا أراد الأولياء زواجها من غير ملتزم بالدين، أو ذي نسب يقل في نظرها عن نسبها، أو عبد أو غير ذلك مما ورد في الكفاءة، لسبب ما؛ بأن كان ذا مالٍ أو كان ذا وجاهةٍ، أو له خدمات عليهم، وغير ذلك من الأسباب التي تقتضي في نظرهم الزواج منه، كان من حقها أن ترفض، وأن ترفع أمرها لولي الأمر أو نائبه لمنع هذا الزواج.
وهو كذلك سلاح في يد الأولياء؛ إذ كثيرًا ما تخدع البنات بالأشكال اللامعة من الشباب الفارغين من أيِّ محتوى، أو العاطلين، أو من ذوي نسب قد يعير به أهلها، لذلك أعطوا هذا السلاح في أيديهم حتى تتريث البنت في اختيارها، وتعلم أن الزوج المنتظر لا بُدَّ من أن يحوز رضا الأولياء.
_________________
(١) ١ البيهقي ٧/ ١٧٤. ٢ البيهقي ٧/ ١٣٣، والدارقطني ٣/ ٢٩٨.
[ ١٧٠ ]
أما إذا وافقت البنت وأهلها على شخص تقدَّم لهم وفيه مخالفة لعدد من خصال الكفاءة، فليس هناك مانع شرعي يحول دون إتمام هذا الزواج، فقد زوَّج -ﷺ- مولاه زيد بن حارثة من ابنة عمته زينب بنت جحش وهي من ذؤابة قريش، وتقدَّم الحديث الذي أخرجه البخاري بزواج سالم مولى أبي حذيفة من ابنة أخي حذيفة، وغير ذلك من الصور المخالفة لما اعتبره بعض الفقهاء من الكفاءة.
لذلك نرى أنه لا داعي للهجوم على مقولة أهل العلم عن الكفاءة، وأنها تمثّل فوارق طبقية وغير ذلك؛ إذ هي كما قلت سلاح في يد المرأة تستخدمه للحفاظ على نفسها إذا تعسَّف أهلها في تزويجها من شخص لا يناسبها، كما أنها سلاح في يد الأولياء حتى لا تندفع البنت في الارتباط بشخص قد يكون حسن المنظر ولكنه سيئ المخبر.
[ ١٧١ ]