عدم تسمية المهر:
اتفق العلماء على صحة عقد النكاح وإن لم يسم فيه الصداق١ لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ الآية٢، فأثبت صحة الطلاق مع عدم الفرض، والطلاق لا يكون إلّا عن نكاح صحيح، وقد ورد في السنة المطهرة عن عقبة بن عامر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- لرجل: "إني أزوجك فلانة؟ " قال نعم، قال للمرأة: "أترضين أن أزوجك فلانًا؟ " قالت: نعم، فزوج أحدهما من صاحبه فدخل عليها، ولم يفرض لها به صداق، فلما حضرته الوفاة، قال: إن رسول الله -ﷺ- زوجني فلانة ولم أفرض لها صداقًا ولم أعطها شيئًا، وإني قد أعطيتها عن صداقها سهمي بخيبر، فأخذت سهمه فباعته بمائة ألف"٣.
ما يترتب على عدم التسمية:
من لم يُسَمَّ لها مهر إن طلقت قبل الدخول فإنه لا مهر لها ولها المتعة، وإن مات عنها قبل الدخول، فقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن لها مهر مثلها ولها الميراث، وذهب آخرون إلى أنه لا مهر لها ولكن لها المتعة والميراث، والأول أولى لحديث معقل ابن سنان الأشجعي٤ في بروع بنت واشق الأشجعية حين حكم لها -ﷺ- بذلك.
_________________
(١) ١ المهذب جـ٢/ ٥٥، الهداية جـ٣/ ٢٠٤، والمغني جـ١٠/ ٩٨ طبعة الأمير تركي. ٢ سورة البقرة الآية ٢٣٦. ٣ سنن أبي داود جـ١/ ٨٨ "٢١١٧"، صحيح ابن حبان ٤٠٧٢، الحاكم ٢/ ١٨١، البيهقي ٧/ ٢٣٢، وإسناده صحيح. ٤ أخرجه أحمد رقم ٤٠٩٩، ٤١٠٠، وأبو داود ٢١١٤، والترمذي ١١٤٥، والنسائي ٦/ ١٢١ وهو صحيح.
[ ١٤١ ]
أما إن حصل الطلاق أو الموت بعد الدخول فلها مهر مثلها عند الجميع١.
ولكنه يُسْتَحَبُّ تسمية الصداق في العقد قطعًا للنزاع وحسمًا لأي خلاف يحصل في المستقبل، وقد وردت السنة المطهرة في كثير من الأحاديث بتسمية الصداق، ومنها حديث الواهبة نفسها للنبي -ﷺ- حين قال للرجل الذي طلبها للزواج: "هل من شيء تصدقها به؟ " فالتمس فلم يجد شيئًا، قال: "فالتمس خاتمًا من حديد"، فلم يجد شيئًا، فزوجه إياها بما معه من القرآن٢.
فإن اتفقا على إسقاطه جملة فقد ذهب بعضهم إلى عدم صحة العقد على أن يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده بمهر المثل، وذهب آخرون إلى أنه يصح العقد ويجب لها مهر المثل، سواء أكان ذلك قبل الدخول أم بعده٣.
تقدير الصداق:
ذهب فريق من الفقهاء إلى صحة الصداق بأي شيء يصدق عليه أنه مال مهما كان قليلًا، ما دامت له قيمة، وقد تقدَّم حديث الواهبة نفسها، وفيه قوله -ﷺ: "التمس ولو خاتمًا من حديد"، وكذلك زوَّج سعيد بن المسيب ابنته -التي أبى أن يزوجها للخليفة الذي طلبها منه، وزوَّجَها لطالب فقير- بدرهمين، وقال: لو أصدقها سوطًَا لحلت٤.
وذهب فريق آخر إلى ضرورة أن يكون الصداق مقدرًا لا يقل عن حد معين، وقد جعل له بعضهم حدًّا أدنى لا يقل عن ثلاثة دراهم٥ وقال آخرون: لا يقل
_________________
(١) ١ المغني جـ١٠/ ٩٩ طبعة الأمير تركي، والمهذب جـ٢/ ٥٥، والمسند. ٢ البخاري جـ٣/ ١٣٢، جـ٦/ ٢٣٦، جـ٧/ ٨، ١٧، ١٩، ومسلم ١٤٢٥ في النكاح. ٣ الهداية جـ٣/ ٢٠٩، ومسلم جـ٢/ ١٠٤. ٤ المغني جـ١٠/ ٩٩ طبعة الأمير تركي، والمهذب جـ٢/ ٥٥. ٥ حاشية العدوي على الكفاية جـ٢/ ٣٦.
[ ١٤٢ ]
عن عشرة دراهم١، وكلا الرأيين مبنيٌّ على القياس على القدر الذي يقطع به السارق.
ورأي الفريق الأول أقرب للنصوص الشرعية.
أما أكثره فلا حدَّ له باتفاق الفقهاء، قال جل شأنه: ﴿وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ ٢ وقد أصدق عمر -﵁- أم كلثوم بنت الزهراء أربعين ألفًا"٣.
ما يشترط في الصداق بإيجاز:
يشترط في الصداق ما يشترط في الثمن في عقد البيع من الطهارة وكونه منتفعًا به، وكونه مقدورًا على تسليمه، وكونه معلومًا٤.
وقال الحنفية: يصح أن يكون الصداق خمرًا أو خنزيرًا، ولكن يلغى ما اتفق عليه، ويجب مهر المثل سواء أكان ذلك قبل الدخول أم بعده٥.
_________________
(١) ١ الهداية جـ٣/ ٢٠٤. ٢ سورة النساء الآية ٢٠. ٣ السنن الكبرى للبيهقي جـ٧/ ٢٣٣. ٤ الخرشي جـ٣/ ٢٥٣، حاشية العدوي على الكفاية جـ٢٠/ ٣٧، المغني جـ١٠/ ١٠١ طبعة الأمير تركي. ٥ الهداية جـ٣/ ٢٠٩.
[ ١٤٣ ]