أولًا: حكم النكاح في حال الاعتدال
والمقصود بالاعتدال القدرة على الوطء والنفقة وعدم خشية العنت.
والذي عليه جمهور الفقهاء أن النكاح في هذه الحالة مستحب، ما دام قادرًا على الوطء، ومالكًا للمهر والنفقة، وغير خائف من الزنا والجور، وترك السنن، والفضائل١.
ويذهب الحنابلة إلى استحبابه ولو كان الرجل فقيرًا عاجزًا عن الإنفاق؛ لأنه -ﷺ- زوج رجلًا لم يقدر على خاتم من حديد، ولا وجد إلّا إزاره٢.
والمرأة في ذلك كالرجل، فإن كانت محتاجة إلى النكاح بأن كانت تتوق إليه أو محتاجة للنفقة، أو خائفة من اقتحام الفجرة، أو لم تكن مشغولةً بالعبادة، استحب لها أن تتزوج لما في ذلك من تحصين الدين، وصيانة الفرج، والترفه بالنفقة، وغير ذلك٣.
ودليل الجمهور في القول بالاستحباب أو السنية حديث: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" ٤ لأنه -ﷺ- خيَّرَه بين النكاح والصوم بالاتفاق، ولو كان النكاح واجبًا لما خيره بينهما، قال سلطان العلماء: أقام الصوم مقام النكاح، والصوم ليس بواجب، ولأن بعض الصحابة لم تكن له زوجة ولم ينكر عليه٥.
_________________
(١) ١ الخرشي جـ٣/ ١٦٥، كشاف القناع جـ٥/ ٦، ومغني المحتاج جـ٣/ ١٢٥. ٢ صحيح البخاري مع فتح الباري جـ١١/ ٩٤. ٣ مغني المحتاج جـ٣/ ١٢٥. ٤ متفق عليه. ٥ بدائع الصنائع جـ٣/ ١٣٢٥.
[ ٧٧ ]
وذهب داود الظاهرى إلى وجوبه، وهناك قول للحنفية: بأن النكاح واجب في حال الاعتدال -ومعلوم أن الواجب عند الحنفية غير الفرض؛ إذ الواجب عندهم ما ثبت بدليل ظني، والفرض ما ثبت بدليل قطعي، وبذلك تقترب السنة المؤكدة من الواجب عند الحنفية؛ إذ تارك أيٍّ منهما يأثم عندهم، غير أن الإثم أيسر في ترك السنة المؤكدة منه في ترك الواجب١.
ودليل القائلين بالوجوب في حال الاعتدال:
- الأمر الوارد في الحديث السابق بالزواج، والأمر إذا أطلق يستفاد منه الوجوب، وقد سبقت مناقشة هذا الاستدلال في معرض الحديث عن دليل الجمهور.
- ثم حديث سعد بن أبي وقاص -﵁- قال: رد رسول الله -ﷺ- على عثمان بن مظعون التبتل ولو أذن له لاختصينا٢.
ثانيًا: حكمه في حال خشية العنت
يذهب جمهور الفقهاء إلى فرضية النكاح إذا خشي على نفسه العنت -أي: الزنا٣، ومقابله عدم الوجوب٤، وأضاف بعضهم إلى هذه الحالة -أي: الفرضية، مَنْ أمره والداه أو أحدهما بالزواج، أو كان قد نذره وهو قادر على النكاح٥.
ثالثًا: حكمه في حق من عدم القدرة على القيام بواجباته
واجبات النكاح في الجملة: القدرة على الجماع، والقدرة على المهر،
_________________
(١) ١ حاشية ابن عابدين جـ٣/ ٧، المحلى جـ١١/ ٣. ٢ متفق عليه: البخاري في "النكاح" باب: ما يكره من التبتل والخصاء، ومسلم في "النكاح"، التبتل ترك لذات الدنيا والانقطاع للعبادة. ٣ حاشية ابن عابدين جـ٣/ ٦، فتح القدير جـ٣/ ١٠٠، كشاف القناع جـ٥/ ٧، ٨، والخرشي وعليه حاشية العدوي جـ٣/ ١٦٥. بل ذهب المالكية إلى الوجوب في هذه الحالة، ولو أدى إلى الإنفاق عليها من حرام. المرجع السابق. ٤ مغني المحتاج جـ٣/ ١٢٥. ٥ كشاف القناع جـ٥/ ٧، ٨.
[ ٧٨ ]
والنفقة، والكسوة، والمسكن.
ذهب بعض الفقهاء إلى كراهة النكاح لمن فقد مؤن النكاح، ولم يحتج له بأن لم تتق نفسه له من أصل الخلقة، أو لعارض مرض أو عجز، وذلك لما يترتب على النكاح في هذه الحالة من التزام ما لا يقدر على القيام به من غير حاجة١.
وذهب فريق آخر إلى تحريم النكاح لمن لم يخش العنت ويضر بالمرأة لعدم قدرته على النفقة أو الوطء أو يتكسب من حرام لينفق عليها٢.
رابعًا: حكمه في حق من قَدِرَ على مؤن النكاح غير الجماع
يذهب بعض الفقهاء إلى كراهة التزوج لمن يملك القدرة على النفقة، ولكن به علة تمنعه من الجماع؛ كهرمٍ أو مرض دائمٍ أو تعنينٍ دائمٍ، وذلك لعدم الحاجة إليه مع منع المرأة من التحصين، ويذهب آخرون إلى إباحة التزوج في هذه الحالة لعدم منع الشارع منه٣.
والقول بالكراهة أقرب؛ لأنه سيترتب على الزواج الاشتغال بما ليس في حاجة إليه، وحبس المرأة عن زواجها بمن تتحصن به، وانشغاله عن العلم والعبادة بما لا فائدة فيه.
خامسًا: حكمه في حق من قدر على مؤن الزواج، ولم يحتج إلى النكاح، وليست به علة تمنعه منه
فمن قدر على النكاح ولكن لم يحتج إليه، ويملك القدرة على المهر والنفقة على الزوجة، وليس لديه مقصد شرعي من ورائه؛ كرجاء نسل أو رغبة في تعفف أو اقتداء، ولم يقطعه عن عبادة غير واجبة، فإن الزواج يباح في هذه الحالة، وأما إذا
_________________
(١) ١ المحلى على المنهاج جـ٣/ ١٦٥. ٢ شرح الخرشي على المختصر جـ٣/ ١٦٥. ٣ مغني المحتاج جـ٣/ ١٢٦.
[ ٧٩ ]
كان له مقصد شرعي مما تقدَّمَ، فإنه يندب أو يسن في حقه، بحسب سموِّ هذا المقصد١.
سادسًا: حكمه في حق من لا يصح منه الزواج وليس في حاجة إليه
هذه الحالة فرع عن الحالة السابقة، ولكنها خاصة بالمولى عليه لجنون أو عته ونحو ذلك، والحكم في هذه الحالة هو التحريم؛ لأنه من إضاعة المال فيما لا فائدة من ورائه، إلى جانب ما سيترتب عليه من التزامات عائلية٢.
_________________
(١) ١ مغني المحتاج جـ٣/ ١٢٦، شرح الخرشي مع حاشية العدوي جـ٣/ ١٦٥، وحاشية رد المحتار جـ٣/ ٧، وبدائع الصنائع جـ٣/ ١٣٢٦، ١٣٢٧. ٢ حاشية العلامة عمير على المحلى جـ٣/ ٢٠٦، ومغني المحتاج جـ٣/ ١٢٦.
[ ٨٠ ]