وعلى رأي جمهور أهل العلم الذين ذهبوا إلى ضرورة الإشهاد على عقد النكاح، فإنهم قالوا لا بُدَّ أن تتوفر في الشاهد على عقد النكاح مجموعة من الشروط تجعله أهلًا للشهادة، ومن أهمها:
الشرط الأول: الإسلام
سواء أكان العقد لزوجين مسلمين، أم كان الزوج مسلمًا والزوجة ذمية، للحديث السابق "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل"؛ ولأنه نكاح مسلم فلم ينعقد بشهادة ذميين، مثله مثل نكاح الزوجين إذا كانا مسلمين، وهذا هو رأي أكثر العلماء من هذا الفريق١.
وذهب بعضهم إلى أن الشهادة تصح من الذميين على النكاح إذا كانت الزوجية ذمية، وذلك لقبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعضهم٢.
الشرط الثاني: العدالة
ذهب أكثر العلماء من هذا الفريق الذي يرى ضرورة الإشهاد على عقد النكاح إلى اشتراط العدالة في الشاهد على عقد النكاح للحديث السابق "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل".
وذهب بعضهم إلى صحة الشهادة من الفاسق؛ لأنه من أهل الولاية٣.
_________________
(١) ١ المغني جـ٦/ ٤٥٢، الهداية جـ٣/ ١٩٠، حاشية العدوي على الكفاية جـ٢/ ٣٤، المحلى على المنهاج جـ٣/ ٢٢٠. ٢ المغني جـ٦/ ٤٥٢، الهداية جـ٣/ ١٩٠. ٣ المغني جـ٦/ ٤٥٢، الهداية جـ٣/ ١٩٠، حاشية العدوي على الكفاية جـ٢/ ٣٤، المحلى على المنهاج جـ٣/ ٢٣٩.
[ ١٢٩ ]
وليس المراد من العدالة عند من اشتراطها هو حقيقتها، أي: مراعاة الصلاح والتقوى من الشاهد ظاهرًا وباطنًا، بل يكفي أن يكون الشاهد مستور الحال حين الشهادة، لأن النكاح ينعقد في القرى والبادية وبين عامة الناس ممن لا يعرف حقيقة العدالة، فاشتراطها يشق، لذلك يُكتَفَى بظاهر الحال، وهو أنه لم يعرف بالفسق حين العقد.
وإذا تبين بعد أنه كان فاسقًا حين العقد، فلا يؤثر ذلك في عقد الكاح على الأظهر، لأن شرط العدالة الظاهرة كان قد تحقق في أثناء العقد.
ومن باب أولى أن لا يؤثر حدوث الفسق من الشاهد بعد العقد١.
الشرط الثالث: البلوغ
فلا ينعقد النكاح بشهادة الصبيين، أو كان أحد الشاهدين صبيًّا؛ لأن الصبي ليس من أهل الشهادة٢.
الشرط الرابع: العقل
فلا ينعقد النكاح بشهادة مجنونين أو معتوهين، أو كان أحد الشاهدين مجنونًا أو معتوهًا، لأن كلًّا منهما ليس من أهل الشهادة٣.
الشرط الخامس: أن يكون الشاهد سميعًا ناطقًا
فلا تصح شهادة الأخرس الذي لا ينطق لعدم تحقق الأداء منه، ويرى فريق من أهل العلم صحة الشهادة من الأخرس إذا كانت إشارته مفهومة وقاطعة الدلالة على المراد، ولا سيما إذا كان يستطيع أن يكتب ما يريد٤.
_________________
(١) ١ المغني جـ٦/ ٤٥٢، حاشية العدوي على الكفاية جـ٢/ ٣٥، المحلى على المنهاج جـ٣/ ٢٢٠. ٢ المغني جـ٦/ ٤٥٣. ٣ المغني جـ٦/ ٤٥٣، والهداية جـ٣/ ١٩٠. ٤ المغني جـ٦/ ٤٥٣، الهداية جـ٣/ ١٩٠، المحلى على المنهاج جـ٣/ ٢١٩، حاشية العدوي على الكفاية جـ٢/ ٣٥.
[ ١٣٠ ]
الشرط السادس: الذكورة
فلا ينعقد النكاح بشهادة رجل وامرأتين، ومن باب أولى أن لا تجوز الشهادة من أربع نسوة ليس معهن رجال، وهذا هو رأي جمهور الفقهاء، وذلك لما حكاه الإمام الزهري -وهو من أئمة التابعين؛ إذ قال: "مضت السنة عن رسول الله -ﷺ- أنه لا يجوز شهادة النساء في الحدود ولا في النكاح ولا في الطلاق" رواه أبو عبيد في الأموال وابن أبي شيبة في مصنفه١.
ولأنه عقد ليس بمال، ولا المقصود منه المال، ويحضره الرجال في غالب الأحوال، فلا يثبت بشهادتين كالحدود، وبناء على ذلك فلا تقاس شهادتين في باب النكاح على شهادتين في المعاملات المالية الثابتة بالقرآن الكريم.
ويرى بعض الفقهاء صحة انعقاد النكاح بشهادة رجل وامرأتين لما فيه من المعاوضة؛ إذ يدفع الزوج شيئًا من المال يسمى مهرًا أو صداقًا في مقابل الاستمتاع وغيره٢.
_________________
(١) ١ وإسناده ضعيف، فهو منقطع ومعضل، ويرويه عن الزهري الحجاج، وهو ابن أرطأة وفيه لين وضعف، والصحيح من قول الزهري "لا يجلد في شيء من الحدود إلا بشهادة رجلين". ٢ المغني جـ٦/ ٤٥٢، ٤٥٣، الهداية جـ٣/ ١٩٠، المحلى على المنهاج جـ٣/ ٢١٩.
[ ١٣١ ]