اتفق الفقهاء على مشروعية نظر الرجل الذي يريد النكاح إلى مَنْ يريد نكاحها، وذلك لكثرة النصوص الشرعية التي تحضُّ على ذلك، فقد أخرج الإمام البخاري -﵀- تحت باب النظر إلى المرأة قبل التزويج بسنده إلى عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله -ﷺ: "أريتك في المنام يجيء بك الملك في سرقة من حرير، فقال لي: هذه امرأتك، فكشفت عن وجههك الثوب، فإذا أنت هي، فقلت: إن يك هذا من عند الله يُمْضه" ١.
كما أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة -﵁- قال: كنت عند النبي -ﷺ، فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله -ﷺ: "أنظرت إليها؟ " قال: لا، قال: "فاذهب فانظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئًا" ٢.
والحكمة من مشروعية النظر عند الخطبة هو التعرف على الطرف الآخر الذي سيشاركه حياته في مجلسه ومخدعه ويقظته ومنامه، فإذا ما كان مشتملًا على ملامح من الجمال وسماحة النفس كان ذلك أرجى أن تطيب العشرة وتدوم المودة وتحصل السكينة التي أرادها الله تعالى في قوله عز شأنه: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ ٣ وهو ما قصد إليه رسول
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع فتح الباري جـ١١/ ٨٥. ٢ صحيح مسلم بشرح النووي جـ٩/ ٢٠٩، ٢١٠. ٣ سورة الروم الآية ٢١.
[ ٣٤ ]
الله -ﷺ- بقوله في الحديث السابق: "فإنه أجدر أن يؤدم بينكما".
حكم النظر:
تراوحت مذاهب أهل العلم ما بين قائل بالسنية، وقائل بالندب، وقائل بالإباحة، فمن قال بالسنية أخذ بظاهر الأمر الوارد في عددٍ من الأحاديث، وقد تقدَّم بعضها، ومن قال بالندب راعى أن الأمر الوارد في الأحاديث إنما المقصود به الإرشاد، بدليل التعليل المقترن بكل أمرٍ، وهو يفيد الاستحباب، ومن قال بالإباحة فقد نظر إلى أن الأمر في هذه الأحاديث إنما ورد بعد الحظر، وورود الأمر بعد الحظر إنما يفيد الإباحة، والأقرب لظاهر النصوص الواردة في هذا الباب أن الأمر فيها يدل على الندب؛ لدلالة التعليل المقترن بكل أمر، وهو رجاء حسن العشرة ودوام المودة، ومثل ذلك يفيد الاستحباب.
هل يحتاج إلى إذنها أو إذن وليها في النظر؟
ذهب أكثر الفقهاء إلى عدم الحاجة إلى إذنها أو إذن وليها في ذلك، بل ذهب الحنابلة إلى أن عدم الإذن أولى١، لحديث جابر بن عبد الله -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ: "إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل". قال: فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما يدعوني إلى نكاحها وتزوجها فتزوجتها٢، ويترتب على الاستئذان كذلك العلم بوقته، فتستعد لذلك فيفوت الغرض الذي جعل الاستئذان لأجله٣.
وقال المالكية بكراهة استغفالها، لئلّا يتطرق أهل الفساد للنظر إلى النساء ويقولون: نحن خطَّاب٤، لكن مشروعية النظر مقيدة بقيود ثلاثة:
_________________
(١) ١كشاف القناع جـ٥/ ١٠، ومغني المحتاج جـ٣/ ١٢٨. ٢ سنن أبي داود جـ١/ ٤٨٠ "رقم ٢٠٨٢"، وأحمد "٣/ ٣٣٤، ٣٦٠"، والحاكم "٢/ ١٦٥" وصححه، وهو كما قال. ٣ مغني المحتاج جـ٣/ ١٢٨. ٤ الشرح الصغير جـ١/ ٣٧٦.
[ ٣٥ ]
أولها: ألَّا يكون النظر إلى المرأة المراد خطبتها بشهوة، وإلّا حرم خلافًا للشافعية والحنفية.
ثانيها: أن يكون قد عزم على نكاحها، ولديه رجاء بإجابة خطبته وإلا حرم.
ثالثها: عدم الخلوة، فلا ينظر إليها ولا تنظر هي إليه وهما معًا في خلوة.
تكرار النظر:
أجاز الفقهاء تكرار النظر إلى المرأة المراد التزوج منها ليتأمل محاسنها، ويرى منها الملامح التي تستريح إليها نفسه، وقد ورد في الحديث: "فإن استطاع أن ينظر منها ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل"، وقد تقدم قريبًا.
وهل ينضبط التكرار بثلاث مرات لما في الحديث: "أريتك في ثلاث ليال" ولحصول المعرفة بذلك غالبًا، أو الأولى أن يُضْبَطَ بمدى الحاجة، أي: تحقق الغرض الذي شرع النظر لأجله، ولعل هذا الثاني هو الأقرب للنصوص.
_________________
(١) ١ سورة النور من الآية ٣١.
[ ٣٦ ]