وسنتناول الحديث عن متعلقات هذا المطلب في الفروع الآتية:
الفرع الأول: الأصل في صحة العقد بالوكالة والرسالة
لقد وردت عدة نصوص شرعية تجعل عبارة الوكيل في النكاح مثل عبارة الموكل في انعقاد النكاح، ومن ذلك ما سبقت الإشارة إليه من قول أم سلمة -﵂- لابنها عمر بن أبي سلمة: "قم فزوج رسول الله -ﷺ- فزوجه"١، فظاهر اللفظ يقتضي أنه كان وكيلًا عن أمه؛ لأنها هي القائلة له: قم يا عمر فزوج، ولم يزوجها بحكم الولايةح لأن الصبي لا ولاية له، فيكون تزويجه بحكم الوكالة، وفي المغني: "إن رجلًا من العرب ترك ابنته عند عمر وقال: إذا وجدت كفئًا فزوجه ولو بشراك نعله، فزوجها عثمان بن عفان"٢.
وأما الرسالة: فيشهد لها ما جاء في جامع الترمذي عن أبي رافع مولى رسول الله -ﷺ- قال: "تزوج رسول الله -ﷺ- ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول فيما بينهما" قال أبو عيسى -ويعني الترمذي نفسه: هذا الحديث حسن٣.
_________________
(١) ١ سنن النسائي جـ٦/ ٨٢، والحاكم ٣/ ١٦، والبيهقي ٧/ ١٣١ وفي إسناده ضعف. والله أعلم. ٢ المغني لابن قدامة ٦/ ٤٦٣. ٣ جـ٣/ ٥٨٠، وأحمد ٦/ ٣٩٢، وفي إسناده مطر الوراق، وهو ممن يخطئ كثيرًا وقد وصله، والصواب ما في "الموطأ" مرسلًا.
[ ٩١ ]
الفرع الثاني: موقف الفقهاء من الوكالة والرسالة
لا خلاف بين الفقهاء في صحة توكيل الولي من يتولى العقد عنه، كما أنه لا خلاف بينهم من صحة توكيل الزوج من يتولى عقد النكاح عنه، ولكنّ الخلاف بينهم في المرأة، هل يصح أن توكل من يتولى العقد عنها أو عن غيرها؟
فذهب فريق من الفقهاء إلى عدم جواز تولي المرأة التوكيل بنفسها من يتولى العقد عليها، أو على من تحت يدها، بل هذا الحق للولي المجبر ولو بغير إذنها١.
وذهب فريق آخر إلى صحة توكيل المرأة مَنْ يتولى العقد عنها لنفسها أو لمن تحت يدها؛ لأنها لما كانت تملك مباشرة العقد بنفسها فتوكيلها مَنْ يتولى ذلك عنها أولى٢.
الفرع الثالث: انعقاد النكاح بالإشارة والكتابة
الأصل في انعقاد النكاح بالإشارة والكتابة، أن الإشارة من الأخرس والكتابة منه أو الغائب تقوم مقام العبارة من الناطق أو الحاضر إذا كانت دالةً على الرضا من الطرفين بالعقد، وبناءً عليه لا تصح الإشارة من القادر على النطق ولم يمنعه منه مانع شرعيّ، كما لا تصح الكتابة من الحاضر إذا لم يمنعه من النطق مانع شرعي، هذا هو الظاهر عند الجمهور٣ خلافًا لمن صحح ذلك من القادر على النطق مع بعض القيود٤.
_________________
(١) ١ مغني المحتاج جـ٣/ ١٤١، كشاف القناع جـ٥/ ٤٠. ٢ فتح القدير جـ٣/ ١٩٦. ٣ كشاف القناع جـ٥ ٣٩، مغني المحتاج جـ/ ١٤١، الفتاوى الهندية جـ١/ ٢٧٠، دار إحياء التراث العربي بيروت. ٤ شرح الزرقاني جـ٣/ ١٦٩.
[ ٩٢ ]